في خطوة ذات أبعاد استراتيجية وجيوسياسية هامة، أعلنت السلطات البنمية يوم الاثنين سيطرتها الكاملة على ميناءي بالبوا وكريستوبال، اللذين يقعان عند مدخلي المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي لقناة بنما على التوالي. يأتي هذا الإجراء الحاسم بعد قرار تاريخي من المحكمة العليا في بنما بإلغاء عقد الامتياز الممنوح لمجموعة “سي كيه هاتشيسون” (CK Hutchison Holdings)، التي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها، معتبرةً العقد “غير دستوري”.
خلفية القرار وتفاصيل الفترة الانتقالية
استندت الحكومة البنمية في قرارها إلى حكم صدر في يناير الماضي عن الهيئة العامة للمحكمة العليا، والذي قضى بعدم دستورية العقد الذي كانت المجموعة الصينية تدير بموجبه هذين المرفأين الحيويين. ورغم طلب الشركة التفاوض لمواصلة تشغيل المحطتين، مضت هيئة الملاحة البحرية في بنما قدماً في تنفيذ القرار. وأعلن مدير الموانئ، ماكس فلوريس، في مؤتمر صحفي أن “مرسوم وضع اليد” يمثل بداية فترة انتقالية تمتد لـ 18 شهراً. خلال هذه الفترة، ستتولى شركة “آي بي أم تيرمينالز” (APM Terminals)، التابعة لعملاق الشحن البحري الدنماركي “ميرسك” (Maersk)، إدارة الميناءين بشكل مؤقت لضمان استمرارية العمليات دون انقطاع، ريثما يتم طرح مناقصة دولية جديدة لاختيار مشغل دائم.
الأهمية الاستراتيجية لقناة بنما
تعتبر قناة بنما، التي شيدتها الولايات المتحدة وسلّمت إدارتها بالكامل لبنما في 31 ديسمبر 1999 بموجب معاهدات توريخوس-كارتر، واحدة من أهم الممرات المائية في العالم. يمر عبرها ما يقارب 6% من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك حوالي 40% من حركة الحاويات الأمريكية، مما يجعل أمنها واستقرار تشغيلها قضية ذات أهمية قصوى للاقتصاد العالمي، وخاصة للولايات المتحدة التي تعد أكبر مستخدم للقناة. إن السيطرة على الموانئ عند طرفي هذا الشريان التجاري تمنح نفوذاً كبيراً على حركة التجارة العالمية.
أبعاد التنافس الجيوسياسي بين واشنطن وبكين
لا يمكن فصل هذا القرار عن سياق التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ في أمريكا اللاتينية والعالم. لطالما أبدت واشنطن قلقها من التوسع الاقتصادي والاستثماري الصيني في البنية التحتية الحيوية بالمنطقة، خاصة بالقرب من قناة بنما. وكان يُنظر إلى وجود شركة مرتبطة ببكين تدير موانئ استراتيجية على أنه تهديد محتمل للمصالح الأمنية الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة من بنما، التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين في عام 2017، كمحاولة لتحقيق توازن دقيق بين شريكها التجاري الجديد وحليفها الاستراتيجي التاريخي، الولايات المتحدة. ويُعتبر القرار رسالة واضحة بأن بنما تمارس سيادتها الكاملة على أصولها الاستراتيجية، مع مراعاة المخاوف الأمنية الإقليمية والدولية.


