أكد الناقد الفني وائل العتيبي أن التطور الملحوظ في فنون مكياج الرعب والمؤثرات الخاصة (SFX) أصبح أحد الركائز الأساسية التي تدفع بالسينما السعودية نحو العالمية، مشيراً إلى أن هذا النوع الفني لم يعد مجرد ترفيه، بل تحول إلى مقياس لجودة الإنتاج وقدرته على المنافسة في المحافل الدولية.
خلفية المشهد السينمائي السعودي
يأتي هذا التطور في سياق طفرة شاملة يشهدها قطاع الترفيه والثقافة في المملكة العربية السعودية، تماشياً مع أهداف رؤية 2030. فبعد إعادة افتتاح دور السينما في عام 2018، شهدت الصناعة نمواً متسارعاً، لم يقتصر على عدد الأفلام المنتجة فحسب، بل شمل أيضاً تنوعاً في الأنواع السينمائية المقدمة. وبرزت أفلام الرعب كأحد أكثر الأنواع شعبية، خاصة بين فئة الشباب، مما فتح الباب أمام المبدعين المحليين لاستكشاف هذا المجال وتطوير مهاراتهم الفنية والتقنية.
سيكولوجية الرعب وجاذبيته للشباب
أوضح العتيبي أن أفلام الرعب تحولت إلى وسيلة علاجية وترفيهية للشباب السعودي، خصوصاً في الفئة العمرية بين 15 و25 عاماً، حيث تتيح لهم تفريغ الضغوط النفسية عبر خوض تجربة “الخوف الآمن”. وأشار إلى أن مشاهد الرعب تحفز إفراز هرمون الدوبامين في الدماغ، مما يولد شعوراً بالمتعة والإثارة يتناقض مع التوتر المصاحب للمشاهدة. هذا التناقض بين الخوف والسعادة هو سر الجاذبية الكبرى لهذا النوع السينمائي، حيث يميل الشباب إلى اختبار مشاعر الخوف في بيئة آمنة ومسيطر عليها، كصالة السينما، دون وجود تهديد حقيقي.
أهمية أفلام الرعب وتأثيرها
على الصعيد المحلي، يساهم إنتاج أفلام رعب بمعايير عالمية في رفع سقف الجودة الفنية للإنتاج السينمائي السعودي بأكمله. فعلى سبيل المثال، شكل فيلم “تشيللو”، الذي عُرض في سبتمبر 2023 والمقتبس من رواية للمستشار تركي آل الشيخ، محطة مفصلية في تاريخ الرعب السعودي، حيث جمع بين قصة محلية وإنتاج عالمي بإخراج دارين لين بوسمان. هذا النوع من المشاريع لا يرسخ مكانة السينما المحلية فحسب، بل يخلق أيضاً فرص عمل للمواهب السعودية في مجالات دقيقة مثل المؤثرات الخاصة والمكياج السينمائي.
إقليمياً ودولياً، تعمل هذه الأفلام كسفير للثقافة السعودية، حيث تقدم قصصاً مستوحاة من التراث المحلي بأسلوب يفهمه الجمهور العالمي. إن النجاح في نوع فني معقد تقنياً مثل الرعب يبعث برسالة قوية مفادها أن السعودية أصبحت لاعباً رئيسياً في صناعة السينما العالمية، قادرة على إنتاج أعمال تنافس على شباك التذاكر العالمي.
بروز المواهب السعودية في المؤثرات الخاصة
لفت العتيبي إلى التطور اللافت في فرق مكياج الرعب والمؤثرات الخاصة داخل المملكة، مشيداً بالاحترافية العالية التي ظهرت في أعمال سينمائية وفعاليات ترفيهية كبرى مثل موسم الرياض. وأشار إلى أن هذا القطاع يشهد حضوراً نسائياً احترافياً أسهم في رفع مستوى الإتقان البصري. وقد برزت هذه المهارات بوضوح في مناطق مثل “بوليفارد رياض سيتي” و”ونتروندرلاند”، حيث شكلت تجارب “بيت الرعب” و”مطعم الرعب” وجهات جذب جماهيري لافتة، بفضل فرق سعودية متخصصة مثل فريق “جرعة رعب” الذي أبدع في تصميم شخصيات ومخلوقات خيالية تحاكي الواقع بتقنيات متقدمة.
واختتم العتيبي حديثه بالتأكيد على أن أفلام الرعب، رغم أنها لا تحظى بإجماع جماهيري كامل، إلا أنها تمثل تجربة إنسانية فريدة تسمح لنا بالاقتراب من الخوف واختباره ثم التعافي منه، وهذا ما يفسر تعلق شريحة واسعة من الجمهور بها، سواء بوصفها متعة نفسية أو وسيلة لفهم أعمق لمشاعرنا.


