نزيف غير مسبوق في الأسهم الأمريكية
تشهد أسواق الأسهم الأمريكية، التي طالما اعتبرت الملاذ الآمن والوجهة الأولى لرؤوس الأموال العالمية، موجة خروج جماعي للمستثمرين بوتيرة هي الأسرع منذ عامين على الأقل. كشفت بيانات اقتصادية حديثة عن سحب المستثمرين المقيمين في الولايات المتحدة لما يقارب 75 مليار دولار من الأسهم المحلية خلال الأشهر الستة الماضية، منها 52 مليار دولار تم سحبها منذ بداية العام الحالي وحده. يأتي هذا التحول الكبير في ظل تراجع جاذبية أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة، وبحث المستثمرين عن فرص استثمارية ذات عوائد أفضل ومخاطر أقل في الأسواق الخارجية، وتحديداً الأسواق الناشئة.
السياق التاريخي: نهاية حقبة الهيمنة المطلقة؟
تاريخياً، تمتعت “وول ستريت” بمكانة فريدة كمركز مالي عالمي، مستقطبة استثمارات ضخمة بفضل استقرار الاقتصاد الأمريكي وقوة الدولار وهيمنة شركاتها الكبرى. بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، أدت سياسات الفائدة المنخفضة إلى طفرة تاريخية في أسواق الأسهم، قادتها أسهم التكنولوجيا التي حققت نمواً هائلاً. لكن المشهد الاقتصادي العالمي تغير جذرياً في السنوات الأخيرة، حيث أجبر التضخم المرتفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بقوة، مما قلل من جاذبية الأصول عالية المخاطر وزاد من تكلفة الاقتراض، ودفع المستثمرين إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم بشكل كامل.
مخاوف من فقاعة الذكاء الاصطناعي وتضخم التقييمات
يكمن أحد المحركات الرئيسية لهذا النزوح في المخاوف المتزايدة بشأن التقييمات المرتفعة للغاية لأسهم شركات التكنولوجيا، خاصة تلك المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي. فشركات مثل إنفيديا، ميتا، ومايكروسوفت شهدت ارتفاعات صاروخية في قيمتها السوقية، مما أثار قلق المستثمرين من احتمالية تكوّن “فقاعة” قد تنفجر في أي لحظة. هذا القلق يدفعهم إلى جني الأرباح والبحث عن قطاعات وأسواق أخرى لم تصل بعد إلى مستويات التقييم المبالغ فيها، مثل الشركات الصناعية التقليدية وقطاع الدفاع الذي يزدهر في أوقات التوترات الجيوسياسية.
الأسواق الناشئة: البديل الجذاب
في المقابل، تبرز الأسواق الناشئة كبديل استثماري واعد. وفقاً لاستطلاع أجراه “بنك أوف أمريكا”، يتجه مديرو الصناديق نحو أسهم الأسواق الناشئة بأسرع وتيرة منذ خمس سنوات. يعود هذا الإقبال إلى عدة عوامل، أبرزها توقعات النمو الاقتصادي المتسارع في هذه الدول، والتقييمات الأكثر جاذبية لأسهم شركاتها مقارنة بنظيراتها الأمريكية، بالإضافة إلى رغبة المستثمرين في تنويع محافظهم الاستثمارية بعيداً عن التركيز المفرط في السوق الأمريكي. ورغم أن ضعف الدولار الأمريكي حالياً يجعل شراء الأصول الخارجية أكثر تكلفة، إلا أن هذا العامل لم ينجح في كبح جماح موجة الخروج، مما يؤكد قوة الدوافع الأخرى وراء هذا التحول الاستراتيجي.
التأثيرات المتوقعة: إعادة تشكيل خريطة الاستثمار العالمية
هذا التحول في تدفقات رأس المال له تداعيات مهمة على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، قد يؤدي استمرار هذا النزيف إلى تصحيح في مؤشرات الأسهم الأمريكية الرئيسية، مما يؤثر على ثروات الملايين من المستثمرين وصناديق التقاعد. أما دولياً، فإن زيادة الاستثمارات في الأسواق الناشئة قد تساهم في تعزيز اقتصاداتها، ودعم عملاتها المحلية، وتحفيز النمو. يمثل هذا الاتجاه مؤشراً قوياً على أن ظاهرة تنويع الاستثمارات لم تعد مقتصرة على المستثمرين الدوليين فقط، بل أصبحت استراتيجية متنامية بقوة بين المستثمرين الأمريكيين أنفسهم، مما قد يعيد تشكيل خريطة الاستثمار العالمية في السنوات القادمة.


