في مشهد يعكس عمق الأصالة والارتباط الوثيق بالتراث، برزت الصقور كأحد أبرز الرموز الثقافية خلال فعاليات يوم التأسيس في مدينة جدة، حيث استحوذت على اهتمام الحضور مذكرةً بإرث عريق شكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية للمملكة العربية السعودية. لم يكن حضورها مجرد استعراض جمالي، بل كان استحضاراً حياً لتاريخ طويل من العلاقة الفريدة بين الإنسان والطبيعة في شبه الجزيرة العربية.
خلفية تاريخية: الصقارة كأسلوب حياة
تعود رياضة الصقارة، أو “القنص بالصقور”، إلى آلاف السنين في المنطقة، حيث لم تكن مجرد هواية للترفيه، بل ضرورة من ضروريات الحياة. في البيئة الصحراوية القاسية، اعتمد الأجداد على الصقور كوسيلة أساسية لتأمين الغذاء. وقد نشأت بين الصقّار وصقره علاقة مبنية على الثقة والصبر والتدريب الدقيق، وهي قيم متجذرة في الثقافة السعودية حتى اليوم. هذا الإرث لم يقتصر على كونه وسيلة صيد، بل تحول إلى فن تغنى به الشعراء في قصائدهم، وأصبح رمزاً للشجاعة والفطنة وعزة النفس.
أهمية الصقور في الثقافة السعودية
أكد الصقّار عبدالله العتيبي أن مشاركة الصقور في احتفالات يوم التأسيس تمثل تجسيداً صادقاً لهذا الموروث. وأوضح أن الصقارة كانت أسلوب حياة متكاملاً، تعلم منه الآباء والأجداد الصبر والمثابرة والمهارة. وأضاف: “لم يكن الصقر مجرد طائر جارح، بل كان شريكاً في رحلة البقاء ورمزاً للقوة والحرية والاعتزاز بالنفس”. وتزخر المملكة بأنواع مميزة من الصقور التي حظيت بمكانة خاصة لدى الصقارين، من أبرزها “الشاهين” المعروف بسرعته الفائقة، و”الحر” الذي يتميز بقوته وقدرته على التحمل، و”الوكري”، حيث تتوارث الأجيال مهارات التعامل مع هذه الطيور وتدريبها.
تأثير محلي ودولي: إرث يتجاوز الحدود
على الصعيد المحلي، يساهم إبراز الصقور في مناسبات وطنية كيوم التأسيس في تعزيز الهوية الثقافية وربط الأجيال الجديدة بتاريخ أجدادهم. أما إقليمياً، فقد أصبحت المملكة مركزاً رائداً للحفاظ على هذا التراث المشترك، من خلال تنظيم فعاليات كبرى مثل “مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور” الذي يستقطب مشاركين من مختلف دول الخليج والعالم.
دولياً، اكتسب هذا الموروث اعترافاً عالمياً بعد تسجيله ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وهو ما يعكس الجهود السعودية في الحفاظ عليه. إن الدعم الحكومي المتواصل، والمتمثل في إنشاء أندية متخصصة وتنظيم المسابقات والمزادات، يندرج ضمن رؤية 2030 التي تهدف إلى الحفاظ على التراث الوطني والاحتفاء بتنوعه، مما يضمن استدامة هذا الإرث الثقافي العريق.
ويأتي حضور الصقور في يوم التأسيس ليؤكد أن الاحتفال بهذه المناسبة لا يقتصر على استذكار حدث تاريخي، بل يمتد ليشمل الاحتفاء بكل الموروثات التي شكلت ملامح المجتمع السعودي، فالصقر ليس مجرد طائر صيد، بل شاهد حي على تاريخ وطن تأسس على العزم، وحافظ على إرثه، ومضى بثقة نحو المستقبل.


