في لفتة فريدة تمزج بين عالم الرياضة العالمية وعمق التراث السعودي، ارتدى نجم كرة القدم العالمي كريستيانو رونالدو، لاعب نادي النصر السعودي، بشتًا أحسائيًا فاخرًا يُعرف باسم “بشت المعلّمي”. لم تكن هذه مجرد لحظة احتفالية عابرة، بل كانت رسالة ثقافية عميقة، حيث عانق أحد أشهر الرياضيين في التاريخ إرثًا حرفيًا تتوارثه الأجيال في محافظة الأحساء، مسلطًا الضوء على فن وجمال الزي التقليدي السعودي.
البشت: رمز للهيبة والمكانة في الثقافة العربية
يُعد البشت، أو المشلح، أكثر من مجرد رداء تقليدي في شبه الجزيرة العربية والعديد من الدول العربية؛ إنه رمز للمكانة الرفيعة والوجاهة والهيبة. تاريخيًا، ارتبط ارتداء البشت بالملوك والأمراء والشيوخ وكبار الشخصيات، كما أنه زي لا غنى عنه في المناسبات الرسمية والاحتفالات الكبرى مثل الأعياد وحفلات الزفاف. تُصنع البشوت من أقمشة فاخرة، غالبًا من وبر الجمال أو الصوف، وتُطرّز حوافه بخيوط “الزري” الذهبية أو الفضية في عملية يدوية دقيقة تتطلب مهارة وصبرًا فائقين.
الأحساء: الموطن التاريخي لصناعة البشوت الفاخرة
ترتبط صناعة البشوت ارتباطًا وثيقًا بمحافظة الأحساء شرق المملكة العربية السعودية، والتي أُدرجت ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الحرف اليدوية والفنون الشعبية. اكتسب البشت الأحسائي شهرته على مر القرون بفضل جودة صناعته ودقة تفاصيله، حيث برع الحرفيون الأحسائيون في هذه المهنة، وتوارثوا أسرارها وتقنياتها جيلًا بعد جيل. إن صناعة بشت فاخر مثل “بشت المعلّمي” الذي ارتداه رونالدو هي عملية فنية متكاملة، تبدأ من اختيار أجود أنواع القماش، مرورًا بالخياطة اليدوية المتقنة، ووصولًا إلى تطريز الزري الذي قد يستغرق أسابيع من العمل المتواصل على يد فريق من الحرفيين المهرة. هذا البشت تحديدًا، الذي تجاوزت قيمته 8 آلاف ريال سعودي، شارك في إنجازه سبعة حرفيين، مما يعكس مدى الجهد والدقة المبذولة في كل قطعة.
الأثر العالمي للفتة رونالدو: الرياضة كقوة ناعمة للتعريف بالثقافة
إن ارتداء شخصية عالمية بحجم كريستيانو رونالدو، الذي يتابعه مئات الملايين حول العالم، للبشت الأحسائي يحمل أبعادًا تتجاوز حدود الملعب. فهذه اللفتة تُعد ترويجًا عالميًا استثنائيًا للحرف اليدوية السعودية والتراث الثقافي للمملكة. إنها تسلط الضوء على جانب مشرق من الهوية السعودية، وتفتح نافذة للجمهور العالمي للتعرف على فنونها وتقاليدها الأصيلة. كما تساهم مثل هذه الأحداث في دعم الحرفيين المحليين والحفاظ على هذه المهن التراثية من الاندثار، وتشجيع السياحة الثقافية بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030. تأتي هذه اللحظة لتُضاف إلى مشاهد أيقونية سابقة، كلحظة ارتداء ليونيل ميسي للبشت في ختام كأس العالم 2022، مما يؤكد أن البشت لم يعد مجرد زي محلي، بل أصبح رمزًا عربيًا عالميًا للتكريم والاحتفاء.
في النهاية، لم يرتدِ رونالدو مجرد رداء، بل ارتدى قصة تمتد لقرون من الإبداع الحرفي، ليصبح سفيرًا غير رسمي لقطعة فنية تجسد الأناقة والتاريخ والهوية، وتؤكد أن الثقافة والرياضة يمكن أن يلتقيا ليصنعا مشهدًا خالدًا في الذاكرة.


