وكلاء الذكاء الاصطناعي: ثورة تهز أسواق التكنولوجيا والمال

وكلاء الذكاء الاصطناعي: ثورة تهز أسواق التكنولوجيا والمال

22.02.2026
10 mins read
يشهد عالم التكنولوجيا تحولاً جذرياً مع ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرة على تنفيذ مهام مستقلة، مما يثير قلق المستثمرين ويهدد شركات البرمجيات الكبرى.

يشهد قطاع التكنولوجيا والأسواق المالية العالمية حالة من التحول المتسارع والارتباك، مع بزوغ فجر “وكلاء الذكاء الاصطناعي” (AI Agents)، وهي أنظمة متقدمة قادرة على فهم الأهداف وتنفيذ مهام معقدة ومتعددة الخطوات بشكل مستقل تماماً، دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر. هذا التطور النوعي يدفع المستثمرين والمحللين إلى سباق محموم لمحاولة استشراف المشهد الجديد، وتحديد الرابحين والخاسرين في اقتصاد عالمي يتجه بخطى ثابتة نحو الأتمتة الكاملة.

السياق التاريخي: من روبوتات الدردشة إلى الوكلاء الأذكياء

لم تظهر هذه الثورة من فراغ، بل هي نتاج عقود من التطور في مجال الذكاء الاصطناعي. فبعد أن اقتصرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي لسنوات على روبوتات الدردشة البسيطة التي تجيب على استفسارات محددة، شهد العالم نقلة نوعية مع إطلاق نماذج اللغة الكبيرة مثل ChatGPT في أواخر عام 2022، والتي أظهرت قدرات مذهلة في فهم اللغة وتوليد النصوص. أما اليوم، فنحن نشهد الجيل التالي: الوكلاء الأذكياء. هذه الأنظمة لا تكتفي بالإجابة على سؤال، بل يمكنها تولي مشروع بأكمله، مثل كتابة آلاف الأسطر من الشيفرة البرمجية، واختبارها، وتصحيح أخطائها، وصولاً إلى تقديم تطبيق جاهز للاستخدام. ويلخص شاي بولو من مجموعة “فوتوروم” الاستشارية المشهد بقوله: “نحن عند نقطة تحوّل”.

هزة في وول ستريت وتأثير مباشر على الشركات

أحدثت الإعلانات الأخيرة من شركات رائدة مثل “OpenAI” و”Anthropic” في مطلع فبراير الماضي صدمة في الأسواق. فالمستثمرون بدأوا يدركون أن هذه التقنية الجديدة قد تشكل تهديداً وجودياً لشركات تطوير البرمجيات والخدمات المهنية التي تعتمد على العنصر البشري. ونتيجة لذلك، تكبدت أسهم شركات كبرى خسائر حادة في بورصة “وول ستريت”؛ فعلى سبيل المثال، شهدت أسهم “Monday.com” المتخصصة في إدارة المشاريع، و”Thomson Reuters” العاملة في الاستشارات القانونية والضريبية، و”Salesforce” الرائدة في إدارة علاقات العملاء، انخفاضات كبيرة وصلت إلى 30% من قيمتها خلال أيام قليلة. الخوف يكمن في أن جيشاً من “روبوتات البرمجة” قد يحل محل الخدمات التي تقدمها هذه الشركات بتكلفة أقل وكفاءة أعلى.

أهمية الحدث وتأثيره المتوقع عالمياً

يتجاوز تأثير وكلاء الذكاء الاصطناعي حدود قطاع التكنولوجيا، ليمتد إلى كافة جوانب الاقتصاد العالمي. فكما يقول رجل الأعمال الأمريكي مات شومر، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه “أداة مفيدة” إلى “شيء قادر على تأدية عملي أفضل مني”، وهو ما يهدد بشكل مباشر وظائف المهن المكتبية والمعرفية مثل القانون، والتمويل، والطب، والمحاسبة، وخدمة العملاء. على الصعيد الدولي، يفاقم هذا التطور من حدة المنافسة التكنولوجية بين القوى العظمى، ويطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العمل والحاجة إلى إعادة هيكلة أنظمة التعليم والتدريب لتواكب متطلبات العصر الجديد. ويشبه جيسون شلويتزر، أستاذ الإدارة في جامعة جورجتاون، الوضع الحالي ببدايات الإنترنت عام 1995، مشيراً إلى أن التحولات الكبرى لم تظهر فعلياً إلا بعد سنوات، مع ظهور شركات مثل “نتفليكس” التي لم يكن لها أن توجد لولا تلك التقنية.

جدل بين الخبراء ومستقبل غير واضح

ورغم حالة الهلع في الأسواق، يرى بعض المحللين مثل دان آيفز من “ويدبوش سيكيوريتيز” أن رد الفعل “مبالغ فيه”، وأن القول بأن هذه النماذج ستحل محل البرمجيات المهنية وشركات الأمن السيبراني هو “ضرب من الخيال”. لكن في المقابل، يؤكد آخرون أننا نشهد تغييراً جذرياً لا يمكن تجاهله. فمئات مليارات الدولارات التي تُضخ في هذا القطاع تثير توتراً دورياً في الأسواق، وتزيد من المخاوف بشأن “فقاعة ذكاء اصطناعي” قد تنفجر. ومع ذلك، يبقى الاتجاه العام واضحاً: العالم لم يشهد من قبل اضطراباً تكنولوجياً بهذا الحجم وبهذه السرعة، والمستقبل القريب، الذي قد لا يتجاوز بضع سنوات، سيحمل تحولات جذرية في طريقة عملنا وحياتنا.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

أذهب إلىالأعلى