حادثة عنف سياسي تهز فرنسا وتثير ردود فعل دولية
أثارت حادثة مقتل ناشط يميني متطرف في فرنسا موجة من الإدانات وردود الفعل الحادة التي تجاوزت الحدود الوطنية، لتتحول إلى سجال دبلوماسي بين باريس من جهة، وواشنطن وروما من جهة أخرى. بدأت القصة عندما أدانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ما وصفته بـ “الإرهاب” في فرنسا، محذرة من تصاعد “العنف اليساري”، وذلك في أعقاب تعرض الناشط كانتان دورانك (23 عاماً) للضرب حتى الموت.
ووفقاً للتفاصيل، توفي دورانك متأثراً بإصابات بالغة في الرأس بعد هجوم شنه عليه ستة أشخاص على الأقل في مدينة ليون، على هامش احتجاج ضد مؤتمر شاركت فيه النائبة الأوروبية ريما حسن من حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي. وقد أضفت هذه الحادثة بعداً جديداً على التوترات السياسية المشحونة أصلاً في البلاد.
السياق العام: استقطاب سياسي متصاعد في أوروبا
لم تقع هذه الحادثة في فراغ، بل تأتي في سياق من الاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده فرنسا والعديد من الدول الأوروبية. فخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت حدة التوتر بين تيارات اليمين المتطرف والجماعات اليسارية الراديكالية، وانتقل الصراع من المنابر السياسية والإعلامية إلى الشارع في كثير من الأحيان. وتاريخياً، شهدت فرنسا حوادث عنف مماثلة، مثل قضية مقتل الناشط اليساري كليمان ميريك عام 2013 على يد منتمين لليمين المتطرف، مما يعكس عمق الانقسامات الأيديولوجية في المجتمع الفرنسي. وتتغذى هذه الانقسامات على قضايا خلافية كالهجرة، والهوية الوطنية، والسياسات الاقتصادية، مما يخلق بيئة خصبة لنمو التطرف من كلا الجانبين.
تداعيات دبلوماسية وأبعاد دولية
سرعان ما اكتسبت الحادثة بعداً دولياً. فقد صرحت سارة روجرز، التي عُرّفت بأنها نائبة وزير الخارجية الأمريكي للدبلوماسية العامة، بأن مقتل دورانك يسلط الضوء على ضرورة التعامل بحزم مع العنف السياسي والإرهاب. كما أصدر مكتب مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية بياناً منفصلاً حذر فيه من “تزايد التطرف اليساري العنيف”.
لم يتأخر الرد الفرنسي، حيث قام حساب “فرنسا ريسبوندز” الرسمي على منصة “إكس” بالرد على التصريحات الأمريكية عبر نشر إحصاءات تقارن بين معدلات جرائم القتل في الولايات المتحدة وفرنسا، والتي تظهر تفاوتاً كبيراً لصالح فرنسا، في إشارة ضمنية إلى أن واشنطن يجب أن تهتم بمشاكلها الداخلية أولاً.
من جانبها، دخلت إيطاليا على خط الأزمة، حيث وصفت رئيسة الوزراء اليمينية جورجيا ميلوني، التي تربطها علاقات ودية بترامب، الحادثة بأنها “جرح لأوروبا بأسرها”. هذا التصريح أثار حفيظة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي انتقد تدخلها في الشؤون الداخلية الفرنسية، مما أضاف فصلاً جديداً من التوتر في العلاقات الفرنسية الإيطالية التي شهدت خلافات متكررة حول ملفات عدة.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
تكمن أهمية هذا السجال في كونه يكشف عن تشابك السياسة الداخلية بالدبلوماسية الدولية في عصرنا الحالي. لم تعد قضايا العنف السياسي شأناً محلياً، بل أصبحت مادة للاستقطاب الدولي، حيث تسعى القوى السياسية المتشابهة أيديولوجياً لدعم بعضها البعض عبر الحدود. ومن المتوقع أن تزيد هذه الحادثة من عزلة التيارات السياسية المتطرفة في فرنسا، وقد تدفع الحكومة الفرنسية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الجماعات العنيفة من كافة الأطياف. على الصعيد الدولي، تعكس هذه الواقعة عمق الانقسام الأيديولوجي بين الحكومات الغربية، وتبرز كيف يمكن لحادثة محلية أن تتحول إلى أداة في الصراعات السياسية العالمية.


