أزمة الإعلام الرياضي: من النقد البنّاء إلى التعصب الأعمى

أزمة الإعلام الرياضي: من النقد البنّاء إلى التعصب الأعمى

20.02.2026
11 mins read
تحليل معمق لظاهرة 'إعلام المناديب' في البرامج الرياضية، وتأثيرها على تراجع النقد الموضوعي وتغذية التعصب الجماهيري، وسبل استعادة المصداقية.

يمثل النقد الرياضي الحقيقي ركيزة أساسية لتطور الرياضة؛ فهو فعلٌ واعٍ قائم على التحليل المهني والمنطق البنّاء الذي يفكك الأحداث ويسلط الضوء على القضايا بميزان المعرفة، لا بميزان الميول والانتماءات. لكن هذا المفهوم يكاد يغيب اليوم وسط زحام إعلامي صاخب، حيث تحولت الاستوديوهات التحليلية إلى ما يشبه ساحات للدفاع عن الألوان، يجلس فيها “مناديب” لأنديتهم لا نقادًا محايدين، ليتحول المشهد إلى مجالس “سواليف” و”طراد” كلامي، ينتصر فيه الصوت الأعلى لا الحجة الأقوى، وتذوب الحقيقة بين التصفيق والاصطفاف.

السياق العام: كيف وصلنا إلى هيمنة “إعلام المناديب”؟

لم تظهر هذه الظاهرة من فراغ، بل هي نتاج تحولات عميقة في صناعة الإعلام الرياضي على مدى العقدين الماضيين. فمع الانتقال من الصحافة المكتوبة التي كانت تمنح مساحة أكبر للتحليل المعمق، إلى عصر الفضائيات المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت قواعد اللعبة. أصبحت الإثارة والجدل “الترند” هي العملة الرائجة لجذب المشاهدات والتفاعل. في هذا المناخ، وجد “النائب” أو “المندوب” الذي يمثل ناديه بشغف وعاطفة، مكانة أكبر من المحلل الموضوعي الذي قد تكون آراؤه معقدة أو غير شعبية. لقد أصبحت البرامج الرياضية تبحث عمن يُحدث الجدل لا من يقدم المعرفة، مما أدى إلى تهميش الأصوات الخبيرة والمتخصصة.

أهمية الحدث وتأثيره المتوقع: أبعد من مجرد برنامج تلفزيوني

إن هيمنة خطاب “التمثيل” على حساب “التحليل” ليست مجرد خلل في الذائقة الإعلامية، بل هي انحراف في الوظيفة الأساسية للإعلام الرياضي، وله تداعيات خطيرة على عدة مستويات:

  • على المستوى المحلي: يؤدي هذا الطرح إلى تعميق حالة الاستقطاب والتعصب بين الجماهير. فبدلاً من أن يكون الإعلام أداة لتثقيف المشجعين ورفع وعيهم بقضايا مثل الحوكمة والاستدامة المالية للأندية، يصبح أداة لشحن العواطف وتغذية نظريات المؤامرة. يتم اختزال القضايا الكبرى في ثنائيات حادة: (أبيض/أسود، معنا/ضدنا، عدالة/مؤامرة)، وتُختزل الإدارة في أشخاص، والتخطيط في نتائج، والتطوير في صفقات.
  • على المستوى الإقليمي: في منطقة شغوفة بكرة القدم، يمكن لهذا النوع من الخطاب أن يفسد العلاقات بين جماهير الأندية المختلفة، ويحول المنافسة الشريفة إلى عداوات. كما أنه يقدم صورة غير احترافية عن المنظومة الرياضية ككل، في وقت تسعى فيه الدوريات الإقليمية إلى جذب الأنظار العالمية والاستثمارات الأجنبية التي تتطلب بيئة إعلامية ناضجة.

تسطيح الوعي وتغييب القضايا الجوهرية

عندما يغيب السؤال العميق: “لماذا حدث ما حدث؟ وما هي أسبابه البنيوية؟ وما أثره المستقبلي؟”، ويحل محله سؤال وحيد: “من انتصر ومن يُلام؟”، ينكمش الفهم لصالح الانفعال. يصبح النقاش أسير اللحظة، منقطعًا عن التراكم والتحليل المقارن. أما الأسئلة المتعلقة بالحوكمة، والاستدامة، وبناء الفئات السنية، وإدارة المخاطر، فتُؤجَّل أو تُهمَّش لأنها لا تثير ضجيجًا. يتلقى الجمهور، وهو الحلقة الأهم، مضامين مشحونة بالعاطفة ومجردة من المنهج، ومع تكرار هذا النمط، تتشكل لديه أنماط إدراكية قائمة على الاصطفاف لا على الفحص، فيميل إلى تصديق ما يوافق هويته الرياضية، ويرفض ما يخالفها، لا استنادًا إلى حجة بل إلى انتماء.

الخروج من المأزق: نحو إعلام رياضي مسؤول

الحل لا يكمن في إقصاء الآراء أو تجفيف الحماسة، بل في إعادة الاعتبار لمنهج النقد. يتطلب ذلك وعيًا مؤسسيًا بأن البرنامج الرياضي ليس حلبة صراع، بل منصة بناء معرفة. ويتحقق ذلك عبر توسيع دائرة الضيوف لتشمل أصحاب الخبرة المتخصصة (محللين تكتيكيين، خبراء إدارة رياضية، قانونيين)، وتعزيز ثقافة السؤال، وترسيخ قواعد الحوار، والفصل بين الرأي والمعلومة. حين يعود النقد إلى أصله —بحثًا عن الحقيقة لا انتصارًا للذات— تستعيد الرياضة معناها بوصفها ميدانًا للتطوير لا للمشاحنات، وحين يُقدَّم التحليل بوصفه مسؤولية أخلاقية ومعرفية، لا مجرد أداءٍ استعراضي، يتبدّل أثر الخطاب في وعي الجمهور، من إثارةٍ عابرة إلى فهمٍ راسخ، ومن ضجيجٍ لحظي إلى قيمةٍ مستدامة.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

أذهب إلىالأعلى