في خطوة مفاجئة هزت المشهد السياسي في كوريا الجنوبية وأثارت قلقاً دولياً، أعلن الرئيس يون سوك يول فرض الأحكام العرفية في البلاد أواخر عام 2024، مما أدخل رابع أكبر اقتصاد في آسيا في حالة من الفوضى السياسية العارمة. ورغم أن القرار تم التراجع عنه بعد ساعات قليلة فقط تحت ضغط شعبي وبرلماني هائل، إلا أن تداعياته لا تزال مستمرة، حيث سلط الضوء على الانقسامات السياسية العميقة وشكل اختباراً حقيقياً للمؤسسات الديمقراطية في البلاد.
خلفية تاريخية وسياق سياسي متوتر
جاء إعلان الأحكام العرفية في خضم فترة سياسية مشحونة للرئيس يون، الذي كان يواجه نسب تأييد منخفضة وبرلماناً تسيطر عليه المعارضة. استند الرئيس في قراره إلى اتهامات وجهها للحزب الديمقراطي المعارض بـ “أنشطة مناهضة للدولة” وتعاطفه المزعوم مع كوريا الشمالية. هذا الإجراء أعاد إلى الأذهان حقباً مظلمة في تاريخ كوريا الجنوبية، التي عانت من الحكم العسكري الديكتاتوري لعقود، خصوصاً في عهد بارك تشونغ هي وتشون دو هوان. الذاكرة الجماعية لأحداث مثل انتفاضة غوانغجو عام 1980، التي قُمعت بوحشية تحت الأحكام العرفية، جعلت المجتمع الكوري الجنوبي شديد الحساسية تجاه أي استخدام للسلطة العسكرية في الشؤون المدنية، وهو ما يفسر رد الفعل السريع والغاضب على قرار الرئيس يون.
تأثيرات الأزمة على المستويات المحلية والدولية
على الصعيد المحلي، أدى إعلان الأحكام العرفية إلى شلل شبه تام في العاصمة سيول، حيث حاول نواب من الحزب الحاكم والمعارضة منع القوات العسكرية من اقتحام مبنى الجمعية الوطنية (البرلمان). أظهرت هذه اللحظة وحدة نادرة بين الخصوم السياسيين في مواجهة ما اعتبروه تهديداً وجودياً للديمقراطية. وعلى الفور، تقدمت المعارضة بمذكرة لعزل الرئيس، ورغم فشل المحاولة في الحصول على الأغلبية المطلوبة، إلا أنها كشفت عن مدى عزلة الرئيس يون السياسية. أدت الأزمة إلى تآكل الثقة في قيادته وأثارت دعوات واسعة لتنحيه عن السلطة، مما أضعف موقفه بشكل كبير لبقية فترة ولايته.
دولياً، تمت متابعة الأحداث بقلق بالغ، خاصة من قبل حلفاء كوريا الجنوبية الرئيسيين مثل الولايات المتحدة. يُنظر إلى كوريا الجنوبية كنموذج للديمقراطية الناجحة في آسيا، وأي مؤشر على عدم الاستقرار السياسي يثير مخاوف بشأن التأثيرات الاقتصادية والأمنية في منطقة متوترة بالفعل. وقد أثرت الأزمة سلباً على صورة البلاد كدولة ديمقراطية مستقرة، مما استدعى تأكيدات من الحكومة الكورية الجنوبية بالتزامها بالدستور والمبادئ الديمقراطية. يبقى هذا الحدث فصلاً محورياً في تاريخ كوريا الجنوبية الحديث، يبرز قوة مؤسساتها الديمقراطية وقدرة شعبها على الدفاع عنها.


