كشف استطلاع شهري أجراه “بنك أوف أمريكا” لمديري الصناديق الاستثمارية عن حالة من التفاؤل الحذر تسود الأسواق العالمية. ففي حين وصلت معنويات المستثمرين بشأن أداء الاقتصاد العالمي إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عامين، تتزايد في الوقت نفسه المخاوف من تشكل فقاعة استثمارية، خاصة في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذي يشهد طفرة هائلة.
ووفقًا لنتائج الاستطلاع الذي شمل 162 مديرًا يديرون أصولًا بقيمة إجمالية تبلغ 440 مليار دولار، فإن توقعات حدوث “ازدهار عالمي” بلغت ذروتها منذ فبراير 2022. كما ارتفعت توقعات نمو أرباح الشركات لتتجاوز 10%، مسجلةً أعلى مستوى لها منذ عام 2021. هذا التفاؤل دفع المستثمرين إلى زيادة استثماراتهم في الأصول ذات المخاطر العالية مثل الأسهم والسلع، مع تقليل حيازاتهم من السندات الأكثر أمانًا. ورغم ذلك، أظهر الاستطلاع ارتفاعًا في الأرصدة النقدية لدى الصناديق إلى 3.4%، مما يعكس رغبة في التحوط ضد التقلبات المحتملة.
سياق اقتصادي معقد: من التضخم إلى آمال “الهبوط الناعم”
يأتي هذا المشهد المتناقض في أعقاب فترة اقتصادية مضطربة. فبعد التعافي من جائحة كوفيد-19، واجه العالم موجة تضخم غير مسبوقة دفعت البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى تبني سياسة نقدية متشددة ورفع أسعار الفائدة بقوة. أما الآن، فتسود الأسواق آمال بتحقيق “هبوط ناعم” للاقتصاد، أي السيطرة على التضخم دون التسبب في ركود عميق. هذه الآمال هي المحرك الرئيسي للتفاؤل الحالي، حيث يتوقع المستثمرون أن تبدأ البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة قريبًا، مما يحفز النمو الاقتصادي.
شبح الفقاعة: هل يكرر الذكاء الاصطناعي سيناريو “الدوت كوم”؟
على الجانب الآخر، يتصدر احتمال انهيار أسهم شركات الذكاء الاصطناعي قائمة المخاطر التي تقلق المستثمرين. فالارتفاع الصاروخي في تقييمات هذه الشركات يثير مقارنات مع فقاعة “الدوت كوم” في أواخر التسعينيات، والتي انتهت بانهيار كبير في الأسواق. ويرى جزء كبير من المشاركين في الاستطلاع أن الشركات تفرط في الإنفاق الاستثماري، وأن كبار مسؤولي الاستثمار يفضلون حاليًا تعزيز الميزانيات العمومية على زيادة الإنفاق الرأسمالي، في إشارة إلى القلق من أن التقييمات الحالية قد تكون مبالغًا فيها وغير مستدامة.
التأثيرات العالمية والإقليمية
إن حالة التفاؤل والترقب هذه لها تداعيات واسعة. على الصعيد الدولي، يعني ازدهار الاقتصاد العالمي زيادة في حركة التجارة الدولية، وتحسنًا في أداء الأسواق الناشئة. أما إقليميًا، فبالنسبة للدول المصدرة للنفط في منطقة الخليج، فإن النمو العالمي القوي يدعم استقرار أسعار الطاقة، مما يعزز الإيرادات الحكومية ويدعم خطط التنويع الاقتصادي مثل رؤية السعودية 2030. ومع ذلك، فإن انفجار أي فقاعة محتملة في قطاع التكنولوجيا سيؤدي إلى موجة بيع عالمية قد تؤثر سلبًا على جميع الأسواق، بما في ذلك الأسواق الإقليمية، وتعيق تدفقات الاستثمار الأجنبي.


