أعربت إيران عن تفاؤل حذر عشية انطلاق جولة جديدة من المباحثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة في جنيف، مشيرة إلى أنها تلمس موقفًا أمريكيًا “أكثر واقعية” بشأن ملفها النووي. وتأتي هذه التصريحات في وقت حاسم، حيث يسعى الطرفان، بوساطة عُمانية، إلى جسر الهوة العميقة التي تفصل بينهما لإحياء الاتفاق النووي التاريخي لعام 2015.
خلفية تاريخية وسياق المفاوضات
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2018، عندما قرر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحاب بشكل أحادي من “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA)، وهو الاتفاق الذي أبرمته إيران مع القوى العالمية (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين، وألمانيا). وبموجب هذا الاتفاق، وافقت طهران على فرض قيود صارمة على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها. لكن بعد الانسحاب الأمريكي، أعادت واشنطن فرض عقوبات قاسية ضمن حملة “الضغط الأقصى”، مما دفع إيران إلى التراجع تدريجيًا عن التزاماتها النووية، وزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم بشكل كبير، وهو ما أثار قلق المجتمع الدولي.
أجواء متوترة ومباحثات حاسمة
وصل كبير المفاوضين الإيرانيين، عباس عراقجي، إلى جنيف للمشاركة في الجولة الثانية من المباحثات التي تأتي استكمالاً لجولة أولى عقدت في مسقط مطلع فبراير. وتتزامن هذه الجهود الدبلوماسية مع تصعيد في الميدان، حيث أجرى الحرس الثوري الإيراني مناورات عسكرية في مضيق هرمز الاستراتيجي، في خطوة يُنظر إليها على أنها رسالة قوة. وفي المقابل، عززت واشنطن وجودها العسكري في المنطقة، مما يخلق أجواء مشحونة تحيط بالمفاوضات.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) عن المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، قوله: “بالنظر إلى المباحثات في مسقط، يمكننا أن نستخلص بحذر أن الموقف الأمريكي من القضية النووية الإيرانية أصبح أكثر واقعية”. وشدد بقائي على تمسك بلاده بـ”حقوقها غير القابلة للتصرف بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية”، والتي تشمل “الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بما فيها التخصيب”.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
يحمل نجاح هذه المباحثات أو فشلها تداعيات تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة. فعلى الصعيد الدولي، يمثل إحياء الاتفاق انتصارًا للدبلوماسية ولمنظومة منع الانتشار النووي العالمية. وقد التقى عراقجي في جنيف بالمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في إشارة إلى أهمية دور الوكالة في التحقق من أي اتفاق مستقبلي.
إقليميًا، من شأن التوصل إلى اتفاق أن يخفف من حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل قلق دول الجوار، مثل المملكة العربية السعودية وإسرائيل، من طموحات إيران النووية وبرنامجها الصاروخي الباليستي ودورها الإقليمي، وهي ملفات ترغب واشنطن في إدراجها ضمن أي اتفاق شامل، وهو ما ترفضه طهران بشدة، التي تصر على حصر المباحثات في الملف النووي فقط.
أما على الصعيد المحلي الإيراني، فإن رفع العقوبات سيمثل شريان حياة للاقتصاد المنهك، وقد يعزز موقف الحكومة الحالية، بينما يعني الفشل استمرار المعاناة الاقتصادية وتصاعد الضغوط الداخلية والخارجية. ولهذا، تبقى الأنظار متجهة إلى جنيف، حيث قد ترسم نتائج هذه الجولة ملامح المرحلة المقبلة في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا على الساحة الدولية.


