في خطوة دبلوماسية واقتصادية هامة، أعلنت الحكومة الصينية عن إعفاء مواطني المملكة المتحدة وكندا من متطلبات الحصول على تأشيرة دخول لزيارة أراضيها. ووفقًا للبيان الصادر عن وزارة الخارجية الصينية، سيتمكن حاملو جوازات السفر العادية من كلا البلدين من دخول الصين بدون تأشيرة لأغراض متعددة تشمل الأعمال التجارية، والسياحة، وزيارة الأقارب والأصدقاء، أو العبور (الترانزيت)، وذلك لمدة إقامة لا تتجاوز 30 يومًا. ومن المقرر أن يدخل هذا القرار حيز التنفيذ اعتبارًا من يوم غد الثلاثاء، وسيظل ساريًا بشكل مبدئي حتى نهاية العام الجاري.
سياق القرار: استراتيجية صينية للانفتاح بعد الجائحة
يأتي هذا الإجراء ضمن استراتيجية أوسع تتبناها بكين لتعزيز انفتاحها على العالم وإنعاش اقتصادها في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19. فبعد سنوات من القيود الصارمة على السفر التي أدت إلى شبه عزلة دولية، تسعى الصين جاهدة لإعادة جذب السياح والمستثمرين الأجانب. ولم تكن بريطانيا وكندا أول من يستفيد من هذه السياسة، حيث سبقتها الصين بإعفاء مواطني عدد من الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا، بالإضافة إلى ماليزيا، من تأشيرات الدخول في أواخر العام الماضي. تهدف هذه السلسلة من الإعفاءات إلى إرسال رسالة واضحة بأن الصين ترحب بالزوار ومستعدة لتسهيل التبادلات الشعبية والتجارية.
أهمية القرار في تحسين العلاقات الثنائية
لا يمكن فصل هذا القرار عن سياق العلاقات الدبلوماسية التي شهدت توترات ملحوظة بين الصين وكل من بريطانيا وكندا خلال السنوات القليلة الماضية. فقد تدهورت العلاقات الصينية الكندية بشكل حاد في أعقاب قضية اعتقال المديرة المالية لشركة هواوي، مينغ وانتشو، في فانكوفر عام 2018، وما تلاها من احتجاز الصين لمواطنين كنديين. وبالمثل، واجهت العلاقات الصينية البريطانية تحديات بسبب خلافات حول قضايا مثل قانون الأمن القومي في هونغ كونغ وملفات حقوق الإنسان.
لذلك، يُنظر إلى خطوة إلغاء التأشيرة على أنها بادرة حسن نية ومحاولة جادة من بكين لإصلاح هذه العلاقات وتجاوز الخلافات السياسية. فمن خلال تشجيع التواصل المباشر بين الشعوب، تأمل الصين في بناء جسور من الثقة قد تمهد الطريق لتحسين الحوار الدبلوماسي والتعاون في مجالات ذات اهتمام مشترك مثل التجارة ومكافحة تغير المناخ.
التأثيرات المتوقعة على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي
من المتوقع أن يكون لهذا القرار تأثيرات إيجابية ملموسة. على الصعيد الاقتصادي، سيؤدي تسهيل السفر إلى زيادة أعداد السياح ورجال الأعمال من بريطانيا وكندا، مما يساهم في دعم قطاعات الطيران والضيافة والتجزئة في الصين. كما أنه يسهل على الشركات البريطانية والكندية استكشاف فرص الاستثمار والأعمال في السوق الصينية الضخمة.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن هذه الخطوة تمثل أداة من أدوات “القوة الناعمة” التي تستخدمها الصين لتحسين صورتها الدولية. ففي ظل التنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، تسعى بكين إلى تعزيز علاقاتها الثنائية مع حلفاء واشنطن الرئيسيين، مما قد يخلق ديناميكيات جديدة في المشهد العالمي. إن تشجيع التبادلات الشعبية يُعد استثمارًا طويل الأمد في بناء علاقات أكثر مرونة واستدامة، بعيدًا عن التجاذبات السياسية المباشرة.


