خطوة تاريخية لتعزيز الإبداع: السعودية تقر نظام حقوق المؤلف الجديد
في خطوة تشريعية هامة تهدف إلى تعزيز بيئة الإبداع وحماية الملكية الفكرية، أقر مجلس الوزراء السعودي نظام حقوق المؤلف الجديد بصيغته المحدثة. يرسخ هذا النظام حماية شاملة للإنتاج الفكري والإبداعي، ويحدد بوضوح الحقوق الأدبية والمالية للمؤلفين، كما يفرض عقوبات صارمة ورادعة على كل من يتعدى على هذه الحقوق، تصل إلى السجن وغرامة مالية قد تبلغ مليون ريال سعودي.
سياق تشريعي يواكب رؤية 2030
يأتي إقرار هذا النظام المحدث في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها المملكة العربية السعودية لتطوير بنيتها التشريعية بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030. تسعى الرؤية إلى بناء اقتصاد مزدهر ومتنوع قائم على المعرفة والابتكار، وهو ما يتطلب وجود إطار قانوني متين يحمي حقوق المبدعين والمبتكرين في مختلف المجالات، من الأدب والفنون إلى البرمجيات والتقنية. كما يعزز هذا التحديث التزام المملكة بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بالملكية الفكرية، مثل اتفاقية برن، ويرسخ مكانتها كبيئة جاذبة للاستثمارات في الصناعات الإبداعية والرقمية.
أبرز ملامح النظام الجديد: حقوق أدبية أبدية وحماية اقتصادية شاملة
يضع النظام الجديد تعريفاً واضحاً لكل من “المؤلف” و”المصنف”، حيث يُعرّف المؤلف بأنه الشخص الذي يبتكر العمل، بينما يشمل المصنف كل عمل مبتكر في مجالات الأدب أو الفن أو العلوم. ومن أبرز ما جاء به النظام هو التأكيد على أن الحقوق الأدبية للمؤلف هي حقوق “أبدية”، لا تقبل التنازل أو التصرف فيها ولا تسقط بالتقادم. تشمل هذه الحقوق حق المؤلف في نسبة مصنفه إليه، وحقه في الاعتراض على أي تحريف أو تشويه يلحق بعمله قد يضر بمكانته أو سمعته. وتنتقل هذه الحقوق الأدبية إلى ورثته بعد وفاته.
إلى جانب ذلك، يمنح النظام المؤلف حقوقاً مالية استئثارية، تخوله الترخيص باستغلال مصنفه بكافة الطرق، مثل النسخ، والترجمة، والتأجير التجاري، والأداء العلني، والبث، وإتاحته للجمهور عبر الوسائل الرقمية. وتشمل الحماية طيفاً واسعاً من المصنفات، بما في ذلك الكتب، والمقالات، والأعمال المسرحية، والمصنفات السمعية والبصرية، والموسيقى، وبرامج الحاسب الآلي وتطبيقاته، وقواعد البيانات، والتصاميم المعمارية والخرائط.
عقوبات رادعة للمخالفين: السجن والغرامة لحماية المبدعين
لضمان فاعلية الحماية، شدد النظام الجديد العقوبات على المخالفين. حيث نص على معاقبة كل من يتعدى على الحقوق المحمية بالسجن لمدة لا تزيد على سنة، وبغرامة مالية لا تتجاوز مليون ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين. تشمل المخالفات استغلال المصنفات تجارياً دون إذن كتابي من أصحاب الحقوق، أو ادعاء ملكية عمل ليس له، أو التحايل على تدابير الحماية التقنية التي يستخدمها المؤلفون لحماية أعمالهم. كما نص النظام على مضاعفة الحد الأعلى للعقوبة في حال تكرار المخالفة، مما يعكس جدية المشرّع في مكافحة القرصنة والانتهاكات الفكرية.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة للنظام الجديد
على المستوى المحلي
من المتوقع أن يسهم النظام الجديد في تحفيز المؤلفين والمبدعين السعوديين على زيادة إنتاجهم الفكري، لشعورهم بالأمان القانوني وبأن حقوقهم مصانة. كما سيشجع على نمو الصناعات الإبداعية مثل النشر، والإنتاج السينمائي والموسيقي، وتطوير البرمجيات، مما يساهم في تنويع مصادر الدخل الوطني وخلق فرص عمل جديدة.
على المستويين الإقليمي والدولي
يعزز هذا التشريع المتقدم من مكانة المملكة كمركز إقليمي رائد في مجال حماية الملكية الفكرية. ومن شأن ذلك أن يجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الإبداعية والتقنية، حيث تشعر الشركات العالمية الكبرى بالثقة في أن استثماراتها وأصولها الفكرية ستكون محمية بموجب القانون السعودي، مما يدعم التبادل الثقافي والمعرفي ويعزز من القدرة التنافسية للمملكة على الساحة الدولية.


