في خطوة استراتيجية تهدف إلى ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الموروث الثقافي، وافق مجلس الوزراء السعودي على اعتماد “السياسة الوطنية للغة العربية”. تأتي هذه السياسة الشاملة لتؤكد على مكانة اللغة العربية كلغة رسمية للمملكة، وركيزة أساسية للهوية، وأداة سيادية وثقافية وتنموية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 ويعكس الدور التاريخي والحضاري للسعودية باعتبارها موطن اللغة العربية الأول ومرجعيتها العالمية.
خلفية تاريخية وسياق وطني
تحتل اللغة العربية مكانة فريدة ليس فقط في وجدان السعوديين، بل في قلوب أكثر من 1.8 مليار مسلم حول العالم، فهي لغة القرآن الكريم. على مر العصور، كانت العربية وعاءً للحضارة الإسلامية ورافداً أساسياً للعلوم والفنون والآداب، حيث أثرت بشكل كبير على العديد من اللغات الأخرى. وفي العصر الحديث، ومع تحديات العولمة والتطور التكنولوجي، برزت الحاجة إلى سياسات واضحة تحمي اللغة العربية وتعزز حضورها في كافة مناحي الحياة. تأتي هذه السياسة الوطنية في سياق جهود المملكة المستمرة للحفاظ على تراثها، والتي تشمل مبادرات مثل تأسيس “مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية”، الذي يعمل كمرجعية عالمية لخدمة اللغة العربية ونشرها.
أهمية السياسة وتأثيرها المتوقع
تتجاوز أهمية هذه السياسة حدود الحفاظ اللغوي لتشمل أبعاداً تنموية واقتصادية ودبلوماسية. محلياً، تهدف إلى تعزيز الانتماء الوطني وتوحيد النسيج المجتمعي، وضمان امتلاك الأجيال القادمة لناصية لغتها الأم، مما ينعكس إيجاباً على جودة التعليم والتفكير النقدي. إقليمياً، ترسخ هذه الخطوة ريادة المملكة في العالم العربي وتجعلها نموذجاً يحتذى به في خدمة لغة الضاد. أما دولياً، فإن تفعيل حضور العربية في المحافل الدولية والبحث العلمي يعزز من القوة الناعمة للمملكة ويساهم في إثراء الحوار الحضاري العالمي.
8 مبادئ أساسية لترسيخ حضور اللغة العربية
تقوم السياسة الوطنية على ثمانية مبادئ رئيسية ملزمة، تهدف إلى تفعيل استخدام اللغة العربية في قطاعات حيوية، وهي:
- الرسمية والسيادة: التأكيد على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة للمملكة، وإلزام الجهات الحكومية باستخدامها في جميع أعمالها وتعاملاتها، مع إمكانية استخدام لغة أخرى عند الحاجة الماسة.
- التعليم: جعل اللغة العربية هي لغة التعليم الأساسية في جميع المراحل الدراسية، لتمكين الطلاب من إتقانها وترسيخ الثقافة العربية وتراثها الفكري.
- المشهد اللغوي العام: تعزيز حضور العربية في الفضاء العام، ويشمل ذلك العقود، والشهادات، واللوحات الإرشادية والتجارية، والفواتير، وأسماء الأماكن والمؤتمرات.
- البحث العلمي والأكاديمي: تمكين حضور اللغة العربية في الجامعات والمؤسسات البحثية عبر دعم الأبحاث العلمية والنشر بها في مختلف التخصصات.
- الإعلام: إبراز اللغة العربية بصورة لائقة في مختلف الوسائل الإعلامية، وتشجيع إنتاج المحتوى الإعلامي باللغة العربية الفصيحة والسليمة.
- الأعمال والاقتصاد: ترسيخ استعمال العربية في قطاع الأعمال، من خلال تمكين حضورها في الجوانب الإدارية والمراسلات والتوظيف، وتفعيل منافذ الاستثمار اللغوي.
- التواصل الدولي: تفعيل حضور اللغة العربية في سياقات التواصل الدولي، كالمؤتمرات واللقاءات الرسمية داخل المملكة وخارجها، لتعزيز مكانتها عالمياً.
- الثقافة والفنون: دعم وتعزيز حضور اللغة العربية في المنتجات والأنشطة الثقافية والفنية، باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية السعودية.


