في حادثة نادرة تكشف عن مدى التوتر والحساسية السياسية في إيران، أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية عن إقالة مدير إحدى محطاتها الإقليمية، وذلك في أعقاب “زلة لسان” كارثية من قبل صحفي خلال بث مباشر. الحادثة وقعت عندما هتف الصحفي بشعار “الموت لخامنئي”، بدلاً من الشعارات التقليدية المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، مما أثار عاصفة فورية من ردود الفعل داخل المؤسسة الإعلامية الأكثر صرامة في البلاد.
تفاصيل الواقعة الصادمة
جرت الأحداث يوم الأربعاء خلال تغطية مباشرة لاحتفالات الذكرى السابعة والأربعين للثورة الإسلامية في محافظة سيستان وبلوشستان، وهي منطقة ذات حساسية أمنية وسياسية في جنوب شرق إيران. كان الصحفي، مصعب رسولي زاد، ينقل أجواء الاحتفالات وحماس الحشود، وعند ترديده للهتافات التي يطلقها المشاركون، استبدل عن طريق الخطأ شعار “الموت لأمريكا” بعبارة “الموت لخامنئي”، في إشارة إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي.
على الرغم من أن الصحفي سارع إلى نشر مقطع فيديو يعتذر فيه بشدة عما وصفه بـ”الخطأ الفادح” و”زلة اللسان”، مؤكداً ولاءه للنظام والثورة، إلا أن تدارك الموقف كان قد فات أوانه. انتشر المقطع كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي، مستغلاً من قبل معارضي النظام كدليل على تآكل شعبية المرشد حتى داخل أروقة إعلامه الرسمي.
السياق العام: قدسية المرشد والإعلام الموجه
تُعد شخصية المرشد الأعلى في إيران خطا أحمر لا يمكن تجاوزه. فبموجب الدستور الإيراني، يتمتع خامنئي بسلطات واسعة ومكانة شبه مقدسة، وأي نقد مباشر له يُعتبر جريمة قد تؤدي إلى السجن لسنوات طويلة. تعمل أجهزة الدولة، وعلى رأسها هيئة الإذاعة والتلفزيون (IRIB)، كأداة رئيسية لترسيخ هذه الصورة وحماية هيبة النظام وقيادته. لذلك، فإن بث شعار معادٍ له، حتى لو كان عن طريق الخطأ، يمثل فشلاً تنظيمياً وإيديولوجياً لا يمكن التسامح معه.
تأتي هذه الحادثة في وقت حساس للغاية، حيث لا تزال إيران تتعافى من موجة احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت في أواخر عام 2022، والتي كان شعار “الموت للديكتاتور” و”الموت لخامنئي” من أبرز هتافاتها. هذا السياق يمنح “زلة اللسان” أبعاداً سياسية أعمق، إذ إنها لم تكن مجرد خطأ لغوياً، بل ترديداً لأصوات المعارضة في الشارع عبر المنصة الإعلامية الرسمية للدولة.
التأثير والعواقب الفورية
كانت استجابة السلطات سريعة وحاسمة. فإلى جانب إقالة مدير البرامج في القناة، تم إيقاف “مشغل البث ومدير البث” عن العمل، وإحالة عدد آخر من الموظفين الذين اعتبروا مسؤولين عن الحادثة إلى لجنة تأديبية. يهدف هذا الإجراء الصارم إلى إرسال رسالة واضحة لجميع العاملين في وسائل الإعلام الحكومية بأن لا مجال للخطأ عندما يتعلق الأمر برموز النظام العليا. كما يعكس القرار حالة من القلق داخل النظام من أي ثغرة قد تُظهر ضعفه أو انقسامه، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والضغوط الدولية والاضطرابات الداخلية التي تواجهها البلاد.


