التوطين: نقلة نوعية في سوق العمل السعودي
في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الاقتصاد الوطني وتمكين الكفاءات السعودية، أحدثت قرارات التوطين التي أطلقتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية نقلة نوعية في سوق العمل. لم تعد هذه القرارات مجرد إجراءات تنظيمية، بل تحولت إلى مشروع وطني متكامل يعيد تشكيل مستقبل الوظائف في المملكة، حيث تم توسيع نطاق المهن المستهدفة لتشمل أكثر من 600 مهنة تفتح أبوابها أمام الخريجين والخريجات السعوديين، مما يمهد الطريق لجيل جديد من القادة والمبتكرين في مختلف القطاعات الحيوية.
السياق العام: من التوطين الكمي إلى التمكين النوعي
تُعد برامج التوطين، أو ما يُعرف بـ”السعودة”، جزءاً لا يتجزأ من السياسات الاقتصادية للمملكة منذ عقود. لكن مع انطلاق رؤية السعودية 2030، شهدت هذه البرامج تحولاً جذرياً في فلسفتها وأهدافها. فبعد أن كان التركيز منصباً على زيادة أعداد الموظفين السعوديين بشكل كمي، تحولت الاستراتيجية نحو التمكين النوعي الذي يركز على جودة الوظائف وتوافقها مع مهارات المستقبل. يهدف هذا التوجه إلى بناء اقتصاد مستدام ومتنوع، وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة في المهن التخصصية، وضمان جاهزية الكوادر الوطنية للمنافسة في الأسواق العالمية.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي: أرقام تتحدث عن نفسها
تُظهر المؤشرات الحديثة الأثر الإيجابي الملموس لقرارات التوطين. فقد ارتفع عدد المواطنين والمواطنات العاملين في القطاع الخاص إلى أكثر من 2.5 مليون، وهو رقم قياسي يعكس نجاح السياسات في خلق فرص حقيقية. ولعل الإنجاز الأبرز هو القفزة التاريخية في نسبة مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل، التي ارتفعت من 23% في عام 2019 إلى أكثر من 35% حالياً، متجاوزة مستهدفات رؤية 2030. وقد أسهم هذا التوسع في الفرص الوظيفية بشكل مباشر في خفض معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويدعم القوة الشرائية للمواطنين.
التركيز على المهن المستقبلية وبناء اقتصاد المعرفة
لم يقتصر أثر قرارات التوطين على زيادة التوظيف فحسب، بل امتد ليشمل نوعية المهن المتاحة. تركز الجهود الحالية على توطين المهن التخصصية التي تشكل عصب القطاعات الأكثر نمواً، مثل المهن الصحية، والهندسية، والتقنية، والمحاسبة، والتسويق، والمشتريات، والخدمات اللوجستية. هذا التركيز الاستراتيجي يضمن حصول الشباب السعودي على وظائف تتطلب مهارات معرفية ورقمية متقدمة، وتواكب التحولات العالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، مما يسرّع من وتيرة التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
آليات الدعم والتنفيذ: شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص
تدرك وزارة الموارد البشرية أن نجاح التوطين يعتمد على الشراكة الفعالة مع القطاع الخاص. لذلك، يتم تطبيق القرارات بشكل مرحلي ومدروس، مع منح المنشآت فترات سماح كافية لتوفيق أوضاعها. وإلى جانب ذلك، تقدم الوزارة حزمة متكاملة من المحفزات وبرامج الدعم عبر صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف)، والتي تشمل دعم عمليات الاستقطاب والتدريب والتأهيل، والمساهمة في تحمل جزء من أجور الموظفين، بهدف تخفيف الأعباء المالية عن الشركات وضمان استدامة التوطين. هذه الجهود تجسد رؤية الدولة في تمكين الفرد وتطوير قدراته، وتوفير بيئة عمل جاذبة وتنافسية تنسجم مع مستهدفات رؤية 2030.


