في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل ملامح سوق العمل السعودي، أحدثت قرارات التوطين الصادرة عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية نقلة نوعية، محولة السياسات التنظيمية إلى مشروع وطني متكامل. ومع توسيع نطاق التوطين ليشمل أكثر من 600 مهنة، تفتح المملكة ذراعيها لآلاف الخريجين والخريجات، واضعة الكفاءات الوطنية في صميم اقتصاد المستقبل، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
السياق التاريخي لبرامج التوطين: من “نطاقات” إلى التوطين النوعي
لم تكن جهود توطين الوظائف وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسياسات وطنية طويلة الأمد بدأت تأخذ شكلاً منظماً مع إطلاق برنامج “نطاقات” في عام 2011. هدف البرنامج في بداياته إلى رفع نسب توظيف المواطنين في منشآت القطاع الخاص عبر تصنيفها إلى نطاقات مختلفة بناءً على التزامها بنسب التوطين. ومع انطلاق رؤية 2030، تطور المفهوم من مجرد تحقيق نسب كمية إلى التركيز على “التوطين النوعي”، الذي يستهدف المهن التخصصية وذات القيمة المضافة العالية، بهدف بناء اقتصاد قائم على المعرفة والمهارة، وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة في القطاعات الحيوية.
أثر التوطين بالأرقام: قفزات تاريخية في التوظيف وتمكين المرأة
تُظهر أحدث الإحصاءات الأثر الإيجابي الملموس لسياسات التوطين، حيث ارتفع عدد المواطنين والمواطنات العاملين في القطاع الخاص إلى أكثر من 2.5 مليون شخص، وهو رقم قياسي يعكس نجاح المبادرات. ولعل الإنجاز الأبرز هو النمو الهائل في مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل، التي قفزت من 23% في عام 2019 إلى ما يزيد عن 35% حاليًا، متجاوزة بذلك مستهدفات الرؤية قبل أوانها. وقد أسهم هذا التوسع في الفرص الوظيفية في خفض معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويدعم القوة الشرائية للأسر السعودية.
استهداف مهن المستقبل: بناء اقتصاد متنوع ومستدام
لم يقتصر أثر قرارات التوطين على زيادة أعداد الموظفين، بل امتد ليشمل جودة الفرص المتاحة. تركز الجهود الحالية على المهن التخصصية التي تشكل عصب القطاعات الواعدة، مثل المهن الصحية، والهندسية، والتقنية، والمحاسبة، والتسويق، والمشتريات، والخدمات اللوجستية. هذا التوجه يضمن حصول الشباب السعودي على وظائف تتطلب مهارات معرفية ورقمية متقدمة، وتواكب التحولات العالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، مما يضمن جاهزيتهم لاقتصاد المستقبل ويعزز القدرة التنافسية للمملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
آليات التنفيذ والدعم: شراكة فاعلة مع القطاع الخاص
تعتمد وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية على منهجية مدروسة في تطبيق قرارات التوطين، حيث تُبنى على دراسات شاملة لواقع سوق العمل وقدرة القطاع الخاص على استيعاب الكوادر الوطنية. ويتم تطبيق العديد من القرارات بشكل مرحلي، مما يمنح المنشآت فترة سماح كافية للتكيف مع المتطلبات الجديدة دون التأثير على استمرارية أعمالها. ولدعم هذا التحول، تقدم الوزارة، بالشراكة مع صندوق تنمية الموارد البشرية “هدف”، حزمة متكاملة من المحفزات وبرامج الدعم التي تشمل المساعدة في عمليات الاستقطاب والتوظيف، وتوفير برامج تدريب وتأهيل متخصصة، ودعم الاستقرار الوظيفي، مما يخلق بيئة عمل جاذبة ومستدامة للجميع.


