استفتاء سويسرا على تحديد سقف سكاني وتأثيره على الاقتصاد والهجرة

استفتاء سويسرا على تحديد سقف سكاني وتأثيره على الاقتصاد والهجرة

11.02.2026
9 mins read
تستعد سويسرا للتصويت على مبادرة مثيرة للجدل لتحديد سقف سكاني عند 10 ملايين نسمة، مما يهدد علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي ويثير مخاوف اقتصادية.

تستعد سويسرا لإجراء استفتاء شعبي مصيري قد يعيد تشكيل مستقبلها الديموغرافي والاقتصادي وعلاقتها بالاتحاد الأوروبي، حيث سيتوجه الناخبون السويسريون إلى صناديق الاقتراع للتصويت على مبادرة شعبية مثيرة للجدل تهدف إلى وضع سقف للنمو السكاني في البلاد عند 10 ملايين نسمة.

المبادرة التي تحمل اسم “من أجل تنمية مستدامة وديمقراطية سكانية (مبادرة الاستدامة)”، أطلقها حزب الشعب السويسري (SVP) اليميني، الذي نجح في جمع التوقيعات اللازمة لطرحها للتصويت العام بموجب نظام الديمقراطية المباشرة الفريد في سويسرا. ويجادل الحزب بأن النمو السكاني السريع، الذي ارتفع بنسبة 70% منذ عام 1960 ليصل اليوم إلى حوالي 9.1 مليون نسمة، قد وضع ضغوطاً هائلة على البنية التحتية للبلاد، وأدى إلى تفاقم أزمة الإسكان، وزيادة الازدحام المروري، واستنزاف الموارد الطبيعية.

خلفية تاريخية وسياق سياسي

لا يعد هذا الجدل جديداً على الساحة السياسية السويسرية. ففي عام 2014، صوتت سويسرا بفارق ضئيل لصالح مبادرة أخرى أطلقها حزب الشعب بعنوان “ضد الهجرة الجماعية”، والتي دعت إلى فرض حصص على المهاجرين من الاتحاد الأوروبي. أثار ذلك القرار أزمة دبلوماسية مع بروكسل، حيث أن حرية تنقل الأشخاص هي مبدأ أساسي في مجموعة الاتفاقيات الثنائية التي تربط سويسرا، غير العضو في الاتحاد، بالسوق الأوروبية الموحدة. وفي نهاية المطاف، طبقت الحكومة السويسرية المبادرة بطريقة مخففة لتجنب انهيار العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

تأتي المبادرة الجديدة في سياق اقتصادي قوي، حيث تُصنف سويسرا كواحدة من أغنى دول العالم، بناتج محلي إجمالي يتجاوز التريليون دولار ونصيب فرد يتجاوز 118 ألف دولار سنوياً. هذا الازدهار، إلى جانب ارتفاع الأجور وجودة الحياة، جعلها وجهة جاذبة للعمالة الماهرة من جميع أنحاء أوروبا والعالم، وهو ما ساهم بشكل مباشر في نموها السكاني.

التأثيرات المتوقعة على الصعيدين المحلي والدولي

في حال تمت الموافقة على المبادرة، ستكون الحكومة ملزمة باتخاذ إجراءات صارمة لضمان عدم تجاوز عدد السكان الدائمين في سويسرا 10 ملايين نسمة قبل عام 2050. وإذا تم تجاوز هذا الحد، سيتعين على الحكومة إنهاء أو إعادة التفاوض بشأن اتفاقية حرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي. يرى المعارضون للمبادرة، بما في ذلك الحكومة الفيدرالية والبرلمان وغالبية مجتمع الأعمال، أن هذه الخطوة ستكون كارثية على الاقتصاد السويسري.

على المستوى المحلي: يحذر الاقتصاديون من أن تقييد الوصول إلى العمالة الأجنبية الماهرة سيضر بالقدرة التنافسية للشركات السويسرية، خاصة في قطاعات حيوية مثل الأدوية والتكنولوجيا والخدمات المالية التي تعتمد بشكل كبير على الكفاءات الدولية. كما سيؤدي ذلك إلى نقص حاد في العمالة في قطاعات أخرى مثل الرعاية الصحية والبناء.

على المستوى الإقليمي والدولي: إن التأثير الأكبر سيكون على علاقة سويسرا بالاتحاد الأوروبي، شريكها التجاري الأكبر. ترتبط الاتفاقيات الثنائية بـ “بند المقصلة” (Guillotine Clause)، مما يعني أن إنهاء اتفاقية واحدة (مثل حرية التنقل) قد يؤدي تلقائياً إلى انهيار حزمة الاتفاقيات بأكملها، بما في ذلك الوصول إلى السوق الموحدة. هذا من شأنه أن يعزل سويسرا اقتصادياً ويهدد مكانتها كمركز مالي وتجاري عالمي. ومع اقتراب موعد التصويت، ينقسم المجتمع السويسري بين مخاوف الحفاظ على جودة الحياة والهوية الوطنية، وبين ضرورات الانفتاح الاقتصادي والاندماج في المحيط الأوروبي.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

أذهب إلىالأعلى