في خطوة أكاديمية هي الأولى من نوعها، أعلنت جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل عن تحويل 7 قرى تقليدية في محافظة القطيف إلى “مختبرات مفتوحة” للدراسة والتوثيق العمراني. تهدف هذه المبادرة الرائدة إلى قراءة وتحليل النسيج العمراني الأصيل لهذه القرى، وتطوير هويتها العمرانية عبر حلول تصميمية مبتكرة تنطلق من خصوصية المكان وتلبي احتياجات المجتمع المحلي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
خلفية تاريخية وأهمية عمرانية للقطيف
تُعد محافظة القطيف واحدة من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في شرق المملكة العربية السعودية، حيث تشكل واحة تاريخية غنية بتراثها الزراعي والعمراني الذي يعود لآلاف السنين. تميز النسيج العمراني التقليدي في قرى القطيف بأزقته الضيقة والمتعرجة التي توفر الظل وتتكيف مع المناخ الحار، وبيوته ذات الأفنية الداخلية التي تضمن الخصوصية، والمبنية بمواد محلية مثل الطين والحجر البحري. ومع موجات التحديث العمراني، واجه هذا الطابع المعماري الفريد تحديات كبيرة، مما يجعل مبادرات التوثيق والحفاظ عليه ضرورة ملحة لحماية الهوية الثقافية للمنطقة.
ربط الأكاديميا بالمجتمع ورؤية 2030
أوضح الدكتور بدران الزنيدي، عميد كلية العمارة والتخطيط ورئيس قسم العمارة بالجامعة، أن هذه المبادرة تأتي في إطار سعي القسم المستمر لبناء بيئة تعليمية محفزة للإبداع. وأكد أن هذا التوجه يهدف إلى ردم الفجوة بين التعليم الجامعي واحتياجات المجتمع، وربط المعرفة الأكاديمية بالتحديات الحضرية التي تواجه المدن السعودية. وأشار الزنيدي إلى أن المشروع ينسجم بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، لا سيما في جانب تحسين جودة الحياة وتعزيز الهوية العمرانية للمدن السعودية والحفاظ على تراثها الوطني.
نقلة نوعية من القاعات الدراسية إلى الميدان
من جانبه، كشف الدكتور يوسف السحيمي، المشرف على استوديو التصميم العمراني لطلاب السنة الرابعة، أن المقرر شهد خلال السنوات الثلاث الماضية نقلة نوعية بالانتقال من القاعات الدراسية إلى الميدان. وأوضح أن تحويل قرى عنك، والجارودية، والبحاري، والجش، والتوبي، وحلة محيش، وأم الحمام إلى مختبرات حية يهدف إلى تمكين الطلاب من قراءة النسيج العمراني الأصيل وفهم مكوناته المكانية والاجتماعية. ويتم تدريب الطلاب على آليات الرصد والقياس والرسم التحليلي، وإعداد الخرائط، وصولًا إلى توثيق النسيج العمراني وتحويله إلى قاعدة معرفية متكاملة تُبنى عليها حلول تصميمية مستدامة ذات أثر اجتماعي واقتصادي ملموس.
التأثير المتوقع والأبعاد المستقبلية
لا يقتصر تأثير هذا المشروع على الجانب الأكاديمي فقط، بل يمتد ليشمل أبعادًا مجتمعية وثقافية أوسع. فمن خلال توثيق هذا التراث العمراني، يتم إنشاء أرشيف علمي يمكن أن يكون أساسًا لمشاريع تطوير مستقبلية تحترم الهوية التاريخية للمكان. كما أن إشراك الطلاب في فهم سلوكيات الأفراد والأنشطة المجتمعية يضمن أن تكون الحلول التصميمية المقترحة متوائمة مع تطلعات المجتمع المحلي، مما يضمن استدامتها وقبولها. على المدى الطويل، يمكن لهذه المبادرة أن تشكل نموذجًا يُحتذى به في مناطق أخرى من المملكة، وأن تساهم في تعزيز السياحة الثقافية من خلال إحياء وتأهيل هذه القرى التاريخية الفريدة.


