أعلنت شركة الخطوط الجوية الكندية (إير كندا)، إحدى أكبر شركات الطيران في أمريكا الشمالية، عن تعليق جميع رحلاتها الجوية المتجهة إلى كوبا بشكل فوري، في خطوة مفاجئة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تضرب الجزيرة الكاريبية. ويأتي هذا القرار نتيجة لنقص حاد وغير مسبوق في وقود الطائرات (الكيروسين) في المطارات الكوبية، مما يجعل عمليات تزويد الطائرات بالوقود أمراً مستحيلاً.
وأوضحت الشركة في بيان رسمي أنها ستضطر إلى تشغيل رحلات “إنقاذ” فارغة من كندا إلى كوبا خلال الأيام القليلة المقبلة، بهدف إجلاء ما يقرب من 3000 سائح كندي عالقين في وجهاتهم السياحية. وأضاف البيان: “أبلغتنا السلطات الكوبية أن وقود الطائرات لن يكون متاحاً تجارياً في المطارات اعتباراً من اليوم، وعليه نعمل على إعادة عملائنا إلى ديارهم”.
خلفية الأزمة: عقوبات أمريكية وشلل اقتصادي
تعود جذور أزمة الوقود الحالية إلى تشديد الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا منذ ستينيات القرن الماضي. في السنوات الأخيرة، كثفت الإدارة الأمريكية، وتحديداً في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، ضغوطها عبر فرض عقوبات صارمة تستهدف واردات الطاقة إلى كوبا، خاصة شحنات النفط القادمة من حليفتها الرئيسية فنزويلا. وتعتمد كوبا بشكل شبه كامل على النفط الفنزويلي المدعوم لتلبية احتياجاتها من الطاقة، بما في ذلك توليد الكهرباء وتشغيل وسائل النقل.
وقد أدت هذه العقوبات، التي تستهدف شركات الشحن وناقلات النفط، إلى تعطيل وصول الإمدادات بشكل كبير، مما دفع الاقتصاد الكوبي إلى حافة الانهيار. وتفاقمت الأزمة بسبب الانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه فنزويلا نفسها، والذي قلص من قدرتها على إنتاج وتصدير النفط حتى لحلفائها المقربين.
تأثيرات واسعة على الحياة اليومية والسياحة
لم يقتصر تأثير نقص الوقود على قطاع الطيران فقط، بل امتد ليشمل كافة جوانب الحياة في كوبا. فقد أعلنت الحكومة الكوبية عن إجراءات تقشف طارئة، شملت تقنين بيع الوقود للمواطنين، وتقليص ساعات العمل في المؤسسات الحكومية، وتشجيع العمل عن بعد، بالإضافة إلى انقطاعات متكررة ومطولة للتيار الكهربائي في معظم أنحاء البلاد.
ويمثل قرار الخطوط الكندية ضربة قاصمة لقطاع السياحة، الذي يعد أحد أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد الكوبي. وتعتبر كندا تاريخياً أكبر مصدر للسياح إلى كوبا، حيث يتدفق مئات الآلاف من الكنديين سنوياً للاستمتاع بشواطئها وثقافتها. إن تعليق الرحلات لا يؤثر فقط على إيرادات الدولة، بل يهدد أيضاً سبل عيش آلاف الكوبيين العاملين في الفنادق والمنتجعات والخدمات المرتبطة بالسياحة.
الأبعاد الإقليمية والدولية
يسلط هذا الحدث الضوء على التأثير الملموس للسياسات الخارجية والعقوبات الاقتصادية على الشركات الدولية والمواطنين العاديين. فقرار شركة طيران كندية كبرى يعكس مدى صعوبة ممارسة الأعمال التجارية في ظل بيئة جيوسياسية معقدة. من جانبها، اتهمت الحكومة الكوبية الولايات المتحدة بشن “حرب اقتصادية غير تقليدية” تهدف إلى “خنق” اقتصادها وإثارة اضطرابات داخلية. ورغم إبداء الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل استعداده للحوار مع واشنطن، إلا أنه أكد أن بلاده لن تتفاوض تحت الضغط أو التهديد.


