أعلن المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في المملكة العربية السعودية عن تحقيق إنجاز بيئي بارز، تمثل في إطلاق ما يزيد عن 10 آلاف كائن فطري في مختلف المحميات والمتنزهات الوطنية. تأتي هذه الخطوة تتويجًا لجهود متواصلة ضمن برامج الإكثار وإعادة توطين الأنواع المحلية المهددة بالانقراض، وتعكس التزام المملكة الراسخ بحماية التنوع الأحيائي واستعادة النظم البيئية الطبيعية.
سياق تاريخي وجهود وطنية طموحة
تأتي هذه المبادرة في سياق تاريخي واجهت فيه الحياة الفطرية في شبه الجزيرة العربية تحديات كبيرة على مدى عقود، أبرزها الصيد الجائر والتوسع العمراني وتدهور الموائل الطبيعية، مما أدى إلى انقراض بعض الأنواع محليًا وتراجع أعداد أنواع أخرى بشكل حاد. وإدراكًا لهذه المخاطر، أطلقت المملكة العربية السعودية، في إطار رؤية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء، استراتيجية وطنية شاملة للبيئة، يمثل فيها المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية الذراع التنفيذي الرئيسي لبرامج الحماية والإكثار وإعادة التوطين.
أهمية البرنامج وتأثيره البيئي
أوضح الدكتور محمد علي قربان، الرئيس التنفيذي للمركز، أن عمليات الإطلاق تعد من الأدوات الحيوية لاستعادة توازن النظم البيئية. فعودة هذه الكائنات إلى بيئاتها الطبيعية لا تساهم فقط في حماية التنوع الأحيائي، بل تلعب دورًا محوريًا في تحسين جودة البيئة. فالعديد من هذه الأنواع، مثل المها الوضيحي وغزال الريم، تساهم في تجدد الغطاء النباتي من خلال الرعي ونشر البذور، بينما تلعب الطيور مثل الحبارى دورًا في السلسلة الغذائية. هذا التأثير الإيجابي يمتد ليشمل مكافحة التصحر وتعزيز قدرة النظم البيئية على التكيف مع التغيرات المناخية.
تنوع الأنواع ونهج علمي متكامل
شملت برامج الإطلاق على مدى السنوات الماضية أكثر من 80 نوعًا من الكائنات الفطرية ذات الأولوية الوطنية، من بينها ظباء الريم والمها الوضيحي، وظباء الإدمي، والوعول الجبلية، وطيور الحبارى والنعام، والقط الرملي. وأكد الدكتور قربان أن هذه البرامج تستند إلى أسس علمية وبحثية دقيقة، تبدأ باختيار السلالات المناسبة في مراكز الأبحاث، مرورًا بالرعاية البيطرية والتغذية المتخصصة، وصولًا إلى تأهيل الكائنات للإطلاق ومتابعتها ميدانيًا باستخدام أحدث تقنيات الرصد لضمان تكيفها ونجاح استقرارها في بيئاتها الجديدة.
رؤية مستقبلية نحو استدامة بيئية
تتطلع المملكة إلى توسيع نطاق هذه الجهود، حيث ارتفعت برامج الإكثار من 7 إلى 21 برنامجًا، مع استهداف الوصول إلى 50 برنامجًا بحلول عام 2030. ويتم اختيار مواقع الإطلاق، التي تجاوزت 60 موقعًا، بعناية فائقة ضمن النطاق الجغرافي والتاريخي لكل نوع، لضمان ملاءمة الموائل وقدرتها الاستيعابية. إن هذه الجهود المتكاملة لا تساهم فقط في تحقيق المستهدفات البيئية لرؤية 2030، بل تعزز أيضًا مكانة المملكة كقائد إقليمي في مجال صون الطبيعة، وتفتح آفاقًا جديدة للسياحة البيئية المسؤولة، مما يضمن بناء مستقبل مزدهر ومستدام للأجيال القادمة.


