في خطوة حازمة لضمان حماية المستهلك واستقرار الإمدادات الدوائية في المملكة، أعلنت الهيئة العامة للغذاء والدواء (SFDA) عن فرض عقوبات مالية صارمة على 34 منشأة صيدلانية مخالفة، بإجمالي غرامات تجاوزت 4.17 مليون ريال سعودي خلال شهر يناير 2024. جاءت هذه الإجراءات نتيجة لعدم التزام تلك المنشآت بالضوابط التنظيمية المتعلقة بتوفير الأدوية والإبلاغ الدقيق عبر نظام التتبع الإلكتروني “رصد”.
السياق التنظيمي: نظام “رصد” ودوره في رؤية 2030
يُعد نظام “رصد” أحد أهم المبادرات التقنية التي أطلقتها هيئة الغذاء والدواء في إطار التحول الرقمي الذي تشهده المملكة تماشياً مع رؤية السعودية 2030. يهدف النظام إلى تتبع وتعقب جميع المستحضرات الصيدلانية البشرية المسجلة في المملكة، بدءاً من خروجها من المصنع ومروراً بسلاسل الإمداد والتوزيع، وصولاً إلى يد المستهلك. تكمن أهمية هذا النظام في تعزيز الرقابة على السوق الدوائي، ومكافحة الأدوية المغشوشة أو المقلدة، وضمان سلامة ومأمونية الدواء، بالإضافة إلى توفير بيانات دقيقة حول المخزون الدوائي، مما يساعد في اتخاذ قرارات استباقية لتجنب أي نقص محتمل في الأدوية الحيوية.
تفاصيل المخالفات المرصودة
كشف التقرير الشهري للهيئة عن تنوع المخالفات التي ارتكبتها المنشآت المعاقبة، والتي تمس جوهر الأمن الدوائي في البلاد. وتوزعت المخالفات الرئيسية على النحو التالي:
- 13 منشأة: لم تلتزم بالإبلاغ المبكر عن أي نقص أو انقطاع متوقع في إمدادات الأدوية، متجاهلة المهلة النظامية التي لا تقل عن ستة أشهر قبل موعد الانقطاع المتوقع.
- 11 منشأة: تقاعست عن توفير مستحضراتها المسجلة في السوق المحلي، بغض النظر عن أسعارها أو معدلات استهلاكها، مما يعد إخلالاً صريحاً بمسؤولياتها تجاه المرضى.
- 8 منشآت: أخفقت في تقديم تقارير مباشرة ودقيقة عبر نظام “رصد” حول حركة الأدوية ضمن سلاسل التوريد، مما يؤثر سلباً على دقة بيانات التتبع وحوكمة المخزون.
- منشأتان: لم تحافظا على مخزون دائم يكفي لمدة ستة أشهر لجميع مستحضراتهما، ولم تبادرا بتعويض النقص خلال المهلة المحددة بثلاثة أشهر.
الأهمية والتأثير المتوقع للإجراءات العقابية
تتجاوز أهمية هذه العقوبات مجرد كونها إجراءات ردعية. فعلى المستوى المحلي، تبعث هذه الخطوة برسالة واضحة لجميع العاملين في القطاع الصيدلاني بأن صحة المواطن والمقيم خط أحمر، وأن الهيئة لن تتهاون في تطبيق الأنظمة لضمان توافر الدواء الآمن والفعال. كما تعزز هذه الإجراءات ثقة المستهلك في المنظومة الصحية والرقابية في المملكة. أما على المستوى الإقليمي، فإن هذه الممارسات التنظيمية الصارمة تضع المملكة العربية السعودية في مصاف الدول الرائدة في مجال الرقابة الدوائية، مما قد يشكل نموذجاً تحتذي به دول المنطقة لرفع معايير السلامة الدوائية لديها. ودولياً، تؤكد هذه الإجراءات للشركات العالمية المصنعة للأدوية أن السوق السعودي يعمل وفق أعلى المعايير العالمية، مما يشجع على الاستثمار ويعزز الشراكات القائمة على الالتزام والجودة.
وأكدت الهيئة أن العقوبات المنصوص عليها في نظام المنشآت والمستحضرات الصيدلانية قد تصل إلى غرامة مالية قدرها 5 ملايين ريال، بالإضافة إلى عقوبات أخرى قد تشمل إغلاق المنشأة مؤقتاً لمدة تصل إلى 180 يوماً، أو حتى إلغاء الترخيص نهائياً في حالات المخالفات الجسيمة، وذلك بهدف ردع أي تهاون يمس صحة المجتمع وسلامته.


