شكوك إيرانية تجاه جدية المفاوضات الأمريكية
أعرب نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عن شكوكه العميقة في جدية الولايات المتحدة للدخول في “مفاوضات حقيقية” تهدف إلى حلحلة الأزمة المتعلقة بالملف النووي الإيراني. وأكد عراقجي أن طهران ستقوم بتقييم دقيق لكافة الإشارات الصادرة عن واشنطن قبل اتخاذ قرارها النهائي بشأن مواصلة الحوار، مشيراً إلى أن بلاده تجري مشاورات مستمرة مع حلفائها، وتحديداً الصين وروسيا، لتنسيق المواقف.
تأتي هذه التصريحات في ظل أجواء مشحونة بالتوتر، وبعد جولة أولى من المحادثات غير المباشرة التي استضافتها سلطنة عمان، والتي وصفتها الأطراف بأنها كانت “إيجابية”. ورغم هذه البداية، شدد عراقجي على أن “الطريق لا يزال طويلاً لبناء الثقة”، مؤكداً أن أي تقدم مرهون بخطوات ملموسة من الجانب الأمريكي.
خلفية الأزمة: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغوط القصوى
تعود جذور التوتر الحالي إلى عام 2018، عندما قرر الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، الانسحاب بشكل أحادي من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بـ “الاتفاق النووي الإيراني”، والتي تم توقيعها في عام 2015 بين إيران ومجموعة الدول (5+1). عقب الانسحاب، أعادت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران ضمن استراتيجية أطلقت عليها “الضغوط القصوى”، بهدف إجبار إيران على التفاوض حول اتفاق جديد أوسع نطاقاً.
هذا الاتفاق الجديد الذي كانت تطمح إليه إدارة ترامب لم يكن ليقتصر على البرنامج النووي فقط، بل ليشمل أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية ونفوذها الإقليمي ودعمها لجماعات مسلحة في المنطقة، وهي النقاط التي تعتبرها طهران “خطوطاً حمراء” غير قابلة للتفاوض.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
تحمل هذه المفاوضات أهمية كبرى على كافة الأصعدة. فعلى الصعيد المحلي الإيراني، أدت العقوبات الأمريكية إلى خنق الاقتصاد، وتدهور قيمة العملة المحلية، وتصاعد السخط الشعبي، وهو ما انعكس في احتجاجات داخلية قوبلت بقمع شديد. وبالتالي، فإن أي انفراجة دبلوماسية قد تخفف من الضغط الاقتصادي على الشعب والنظام على حد سواء.
إقليمياً، أدى التصعيد بين البلدين إلى زيادة الحشود العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج، بما في ذلك نشر حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية، مما أثار مخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية قد تزعزع استقرار المنطقة بأكملها وتؤثر على إمدادات النفط العالمية. وفي هذا السياق، أكد عراقجي أن الحشود العسكرية الأمريكية “لا تخيفنا”، وأن إيران “أمة دبلوماسية وفي نفس الوقت أمة حرب”.
دولياً، كشف الانسحاب الأمريكي عن شرخ في المواقف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا)، بالإضافة إلى روسيا والصين، الذين أصروا على ضرورة الحفاظ على الاتفاق النووي. وتعتبر هذه الأطراف أن المسار الدبلوماسي هو السبيل الوحيد لضمان سلمية برنامج إيران النووي ومنع سباق تسلح في الشرق الأوسط.
شروط طهران وخطوطها الحمراء
جدد عراقجي تمسك بلاده بمواقفها الثابتة، مؤكداً أن إيران لن تتخلى عن حقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية “حتى لو فُرضت علينا الحرب”. وأوضح أن أي مفاوضات يجب أن تقتصر حصراً على الملف النووي، رافضاً بشكل قاطع إدراج القدرات الصاروخية الدفاعية في أي حوار. وألمح إلى أن طهران قد تبحث في “سلسلة إجراءات لبناء الثقة” مقابل رفع كامل للعقوبات الدولية التي شلت اقتصادها، وهو المطلب الأساسي الذي تضعه على طاولة الحوار.


