خطوة حاسمة لتعزيز نزاهة السوق المالي السعودي
في خطوة تنظيمية صارمة تهدف إلى تعزيز نزاهة البيئة الاقتصادية وحماية مهنة المحاسبة والمراجعة في المملكة العربية السعودية، أعلنت الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين (SOCPA) عن إحالة منشأتين إلى النيابة العامة. ويأتي هذا الإجراء الحازم بعد ضبطهما وهما يمارسان أنشطة المحاسبة والمراجعة دون الحصول على التراخيص النظامية اللازمة، مما يعد مخالفة صريحة وجريمة يعاقب عليها القانون، ويمثل تهديداً لموثوقية التقارير المالية في السوق.
السياق التنظيمي وجهود حماية المهنة
تأتي هذه الخطوة في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين، بصفتها الجهة المنظمة والمشرفة على المهنة في المملكة. وتستند الهيئة في إجراءاتها إلى “نظام مهنة المحاسبة والمراجعة” الذي يهدف إلى تنظيم ممارسة المهنة، ورفع مستوى جودتها، وضمان التزام الممارسين بأعلى المعايير المهنية والأخلاقية. إن تنظيم هذه المهنة الحيوية يعد ركيزة أساسية لتحقيق أهداف رؤية السعودية 2030، التي تركز على تعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد المالي والإداري، وخلق بيئة استثمارية جاذبة وموثوقة تعتمد على بيانات مالية دقيقة.
تفاصيل المخالفات المرصودة
أوضحت الهيئة، بعد التنسيق مع الجهات الأمنية وإجراءات الاستدلال الأولية، أن إحدى المنشأتين المخالفتين هي مكتب مرخص له بتقديم “الاستشارات المالية لغير الأوراق المالية”، إلا أنه تجاوز حدود ترخيصه وقام بنشر إعلانات عبر موقعه الإلكتروني ومنصة التواصل الاجتماعي “إكس” يعرض فيها خدمة “اعتماد القوائم المالية”. هذا الإعلان يضلل الجمهور ويوحي بقدرة المكتب على تقديم خدمات المراجعة والتدقيق التي تقتصر حصراً على المحاسبين القانونيين المرخصين.
أما المنشأة الثانية، وهي منشأة تجارية، فقد قامت بالترويج لخدمة “المراجعة” عبر موقعها الإلكتروني، كما وضعت لوحة إعلانية أمام مقرها توحي بمزاولتها للمهنة. كلتا الحالتين تمثلان انتهاكاً واضحاً للقانون، حيث قامتا بتقديم خدمات مهنية متخصصة دون امتلاك الأهلية والكفاءة والتراخيص التي تضمن جودة وموثوقية هذه الخدمات الحساسة.
الأهمية والتأثير المتوقع للإجراء
تكتسب هذه الإحالة أهمية كبرى على عدة مستويات. فعلى الصعيد المحلي، تبعث برسالة ردع قوية لكل من تسول له نفسه ممارسة المهنة دون وجه حق، مما يحمي الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، من الوقوع ضحية لخدمات غير مؤهلة قد تؤدي إلى قوائم مالية غير دقيقة ومشاكل قانونية وضريبية. كما يعزز هذا الإجراء من ثقة مجتمع الأعمال في المحاسبين والمراجعين المرخصين الملتزمين بالأنظمة.
وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، تبرهن هذه الإجراءات الصارمة على جدية المملكة في تطبيق معايير الحوكمة والشفافية العالمية. فالمستثمرون الأجانب ينظرون إلى قوة الإطار التنظيمي والرقابي كعامل أساسي عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية. وبالتالي، فإن ضمان موثوقية التقارير المالية يعزز من جاذبية السوق السعودي للاستثمارات الأجنبية المباشرة ويدعم مكانة المملكة كمركز مالي واقتصادي رائد.
العقوبات النظامية ودور النيابة العامة
أكدت الهيئة أن هذه الممارسات تقع تحت طائلة المادة العاشرة من نظام مهنة المحاسبة والمراجعة، التي تجرّم “تضليل الجمهور بأي وسيلة للإيهام بأحقيته في مزاولة المهنة خلافاً للحقيقة”. وبعد الإحالة، ستتولى النيابة العامة التحقيق في القضيتين واستكمال الإجراءات النظامية اللازمة تمهيداً لمحاكمة المتورطين وتطبيق العقوبات المنصوص عليها في النظام، والتي قد تشمل السجن والغرامات المالية. وشددت الهيئة على أنها لن تتهاون في رصد أي مخالفات تمس سلامة المهنة وموثوقية الاقتصاد الوطني، داعيةً الجميع إلى الالتزام بالأنظمة والتعامل فقط مع المكاتب والأفراد المرخص لهم نظاماً.


