في خطوة لافتة وسط تصاعد التوترات، أعلن الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل أن بلاده مستعدة للدخول في حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه شدد على أن أي محادثات يجب أن تتم على أساس من الاحترام المتبادل والمساواة، و”دون ضغوط أو شروط مسبقة”. يأتي هذا التصريح في وقت تفرض فيه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ضغوطًا اقتصادية وسياسية متزايدة على الجزيرة الكاريبية.
خلفية تاريخية من التوتر والانفراج
العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة لها تاريخ طويل ومعقد، يعود إلى ما قبل الثورة الكوبية عام 1959. لكن بعد وصول فيدل كاسترو إلى السلطة، تدهورت العلاقات بشكل حاد، مما أدى إلى فرض واشنطن حصارًا اقتصاديًا وتجاريًا وماليًا شاملاً على كوبا في عام 1962. استمر هذا الحصار لعقود، ليصبح أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث. شهدت العلاقات انفراجة تاريخية في عهد الرئيس باراك أوباما، الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية مع هافانا في عام 2015، وخفف بعض القيود على السفر والتجارة. إلا أن هذا التقارب لم يدم طويلاً، حيث قامت إدارة ترامب بالتراجع عن معظم سياسات أوباما، وأعادت فرض وتشديد العقوبات، مستشهدة بدعم كوبا للحكومة الفنزويلية ومخاوف تتعلق بحقوق الإنسان.
تصعيد الضغوط وتأثيرها على كوبا
خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت تصريح دياز كانيل، صعّدت واشنطن من تهديداتها ضد كوبا، متوعدة بقطع إمداداتها النفطية الحيوية القادمة من حليفتها فنزويلا. تعتمد كوبا بشكل كبير على هذا النفط لتشغيل محطات توليد الكهرباء والحفاظ على استمرارية اقتصادها الذي يعاني بالفعل من أزمات هيكلية. هددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على أي دولة أو شركة تساعد كوبا، في محاولة لعزلها وخنق اقتصادها. وقد أدت هذه الضغوط بالفعل إلى نقص حاد في الوقود وانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في أجزاء واسعة من البلاد، مما زاد من معاناة المواطنين اليومية.
أهمية المبادرة وتأثيرها المحتمل
على الصعيد المحلي، تمثل دعوة كوبا للحوار محاولة لفتح نافذة دبلوماسية قد تؤدي إلى تخفيف العبء الاقتصادي عن شعبها. أما إقليميًا، فإن العلاقة بين واشنطن وهافانا تؤثر بشكل مباشر على الديناميكيات السياسية في أمريكا اللاتينية، خاصة فيما يتعلق بالأزمة في فنزويلا. دوليًا، يُنظر إلى الحصار الأمريكي على أنه إجراء غير عادل من قبل غالبية دول العالم، حيث تصوت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنويًا بأغلبية ساحقة لصالح قرار يدعو إلى رفعه. أي حوار جاد بين البلدين سيكون له صدى دولي واسع، وقد يشجع أطرافًا أخرى على لعب دور الوساطة. ومع ذلك، تبقى شروط كوبا المتمثلة في “احترام السيادة” و”عدم التدخل في الشؤون الداخلية” نقطة جوهرية، وهي مبادئ تتمسك بها هافانا بقوة في سياستها الخارجية منذ عقود.


