روسيا تطرد دبلوماسيًا ألمانيًا في خطوة انتقامية
أعلنت وزارة الخارجية الروسية، في خطوة تعكس عمق التوتر في العلاقات مع برلين، طرد دبلوماسي ألماني وإعلانه “شخصًا غير مرغوب فيه”. جاء هذا القرار كإجراء جوابي مباشر، أو ما يعرف دبلوماسيًا بـ”المعاملة بالمثل”، بعد أن أقدمت ألمانيا في 22 يناير على طرد دبلوماسي روسي من أراضيها بتهمة التجسس.
وفي بيانها الرسمي، أكدت الخارجية الروسية أنها استدعت السفير الألماني في موسكو وأبلغته بالقرار، محملةً الجانب الألماني “المسؤولية الكاملة” عن هذا التصعيد الجديد في العلاقات الثنائية. ورفضت موسكو الاتهامات الألمانية الموجهة لدبلوماسيها ووصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة”، مؤكدة أن الرد الروسي كان منسجمًا ومتوقعًا.
جذور التوتر: سياق متصاعد من الخلافات
لا يمكن فهم هذا الحادث بمعزل عن سياق أوسع من العلاقات المتدهورة بين روسيا وألمانيا، والتي شهدت تراجعًا كبيرًا منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014. وقد تفاقم هذا التوتر بفعل سلسلة من الأحداث البارزة التي زادت من انعدام الثقة بين البلدين.
من أبرز هذه الأحداث قضية اغتيال القائد الشيشاني السابق زليمخان خانغوشفيلي في حديقة تيرغارتن ببرلين عام 2019، حيث خلصت محكمة ألمانية إلى أن الجريمة تمت بأمر من جهات حكومية روسية، مما دفع برلين لطرد دبلوماسيين روسيين. كما شكلت قضية تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني في عام 2020 وعلاجه لاحقًا في ألمانيا نقطة خلاف جوهرية، حيث قادت برلين الجهود الأوروبية لفرض عقوبات على مسؤولين روس.
يُضاف إلى ذلك الهجوم السيبراني واسع النطاق الذي استهدف البرلمان الألماني (البوندستاغ) في عام 2015، والذي وجهت فيه السلطات الألمانية اتهامات مباشرة إلى المخابرات العسكرية الروسية (GRU)، مما عمّق الشكوك حول نوايا موسكو تجاه المؤسسات الديمقراطية الغربية.
أبعاد الأزمة وتأثيراتها المتوقعة
تتجاوز تداعيات طرد الدبلوماسيين مجرد كونها إجراءات رمزية، لتؤثر بشكل ملموس على قنوات الاتصال والحوار بين قوتين محوريتين في أوروبا. على المستوى الثنائي، تؤدي هذه الإجراءات إلى تآكل الثقة وتقليص المساحات المتاحة للتعاون الدبلوماسي لحل القضايا الخلافية، مما يترك المجال مفتوحًا لمزيد من سوء الفهم والتصعيد.
إقليميًا، تعزز هذه الأزمة الموقف الأوروبي الموحد والمتشدد تجاه روسيا، حيث تعتبر ألمانيا القوة الدافعة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإن أي تدهور في علاقات برلين وموسكو ينعكس مباشرة على سياسة الاتحاد ككل. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الحادثة تندرج ضمن نمط أوسع من “حروب الجواسيس” بين روسيا والدول الغربية، وهو ما يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة ويزيد من حالة عدم الاستقرار على الساحة العالمية.


