مهرجان البشت الحساوي: نافذة على تاريخ المملكة
في قلب قصر إبراهيم التاريخي بالأحساء، تتجسد حكاية أمة وتاريخ زِيّها الرسمي في مهرجان “البشت الحساوي” بنسخته الثالثة، الذي تنظمه هيئة التراث. لم يكن المهرجان مجرد احتفالية بالحرفة، بل كان رحلة زمنية استقطبت الزوار، وكان أبرز محطاتها ركن خاص يعرض تطور “البشت” الملكي عبر عهود ملوك المملكة العربية السعودية السبعة، بدءاً من المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – وصولاً إلى العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.
السياق التاريخي: الأحساء مهد صناعة البشوت
يُعد البشت رمزاً للأصالة والهيبة في الثقافة العربية والخليجية على مر العصور، إلا أن “البشت الحساوي” اكتسب شهرة استثنائية لجودته ودقة صنعته. فمنذ مئات السنين، كانت الأحساء، بواحتها الخضراء وتاريخها العريق، المركز الأبرز لهذه الحرفة اليدوية الدقيقة. توارثت عائلات بأكملها في أحياء مثل «الرفعة الشمالية» و«النعاثل» أسرار المهنة، حيث كانت أصوات “النول” اليدوي لا تهدأ، وهي تنسج خيوطاً من وبر الإبل وصوف الماعز لتحولها إلى قطعة فنية تليق بالملوك والوجهاء.
رحلة البشت الملكي عبر سبعة عهود
أوضح المشرف على ركن عرض المشالح، محمد الأمير، أن المعرض يقدم سرداً بصرياً لتطور تصميم البشت الملكي، والذي يعكس بدوره التحولات الاقتصادية والثقافية للمملكة.
عهد التأسيس: بشت الملك عبدالعزيز
تميز بشت الملك المؤسس بالبساطة التي عكست مرحلة التوحيد وبناء الدولة. كانت صناعته تتسم بالنحافة، مع “حفرة” (الجزء العلوي المطرز) قصيرة لا تتجاوز 8 إنشات، و”خديد” (شريط الزري الجانبي) طويل يصل إلى 14 إنشاً، معتمداً على الخامات المحلية بالكامل.
من الملك سعود إلى الملك فيصل: بداية التحول
في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز، شهد التصميم تطوراً طفيفاً مع زيادة بسيطة في طول الحفرة. لكن النقلة النوعية حدثت في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز، الذي شهد انفتاحاً على استيراد خيوط “الزري” الفاخرة من ألمانيا وفرنسا، مما أتاح للحرفيين إطالة الحفرة وإضفاء لمسة جمالية أكثر تناسقاً، مع تقليص طول الخديد إلى 8 إنشات.
من الملك خالد إلى الملك فهد: عصر الازدهار والنقوش الفاخرة
تواصل التطور في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، حيث تنوعت النقوش والدقات وأصبحت أكثر تعقيداً، وبرزت نقشة «المروبع» كخيار مفضل لديه. أما في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز، ومع الوفرة الاقتصادية، قفز طول الحفرة ليصل إلى 22 إنشاً، وزاد عرض “الدقة” (عرض التطريز) إلى 4.5 سنتيمترات، مما أضفى فخامة غير مسبوقة على البشت الملكي.
من الملك عبدالله إلى عهد الرؤية
شهد عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز ازدهار النقوش العريضة جداً نتيجة الانفتاح التجاري، مع استمرار تفضيل نقشة «المروبع». وفي العهد الحالي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وصل تصميم البشت إلى قمة التوازن والإتقان، حيث استقرت “الدقة” على عرض 5 سنتيمترات، وطول الحفرة بين 22 و 23 إنشاً، ليمثل البشت اليوم خلاصة قرن من التطور والأصالة.
أهمية الحدث وتأثيره الثقافي
لا يقتصر مهرجان البشت الحساوي على كونه حدثاً محلياً، بل يكتسب أهمية وطنية ودولية. فهو يساهم في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 عبر الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي، ودعم الحرفيين المحليين، وتعزيز السياحة الثقافية. كما يأتي في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بالزي السعودي، خاصة بعد اللقطة التاريخية لارتداء النجم ليونيل ميسي البشت في ختام كأس العالم 2022، والتي سلطت الضوء على هذا الرمز الثقافي العريق. إن هذه المهرجانات تعيد إحياء الحرفة وتعرف الأجيال الجديدة بتاريخها، مؤكدة أن البشت ليس مجرد رداء، بل هو هوية منسوجة بخيوط من ذهب تروي قصة وطن.


