يقف العالم على أعتاب مرحلة جديدة من الغموض النووي، مع اقتراب نهاية صلاحية معاهدة “نيو ستارت” في فبراير 2026، وهي آخر اتفاقية قائمة للحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا. ويزداد الوضع تعقيداً بعد قرار موسكو تعليق مشاركتها في المعاهدة في فبراير 2023، مما يضع حجر الأساس الأخير في صرح الأمن العالمي الهش على المحك، ويثير مخاوف جدية من انطلاق سباق تسلح نووي لا يمكن السيطرة عليه.
خلفية تاريخية: إرث الحرب الباردة
لفهم أهمية “نيو ستارت”، يجب العودة إلى حقبة الحرب الباردة، حيث عاش العالم تحت تهديد دائم بالإبادة النووية المتبادلة. دفعت أزمات حادة، مثل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، القوتين العظميين إلى إدراك حتمي لضرورة وضع آليات للرقابة والحد من ترساناتهما النووية لمنع أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى كارثة. من رحم هذه القناعة، وُلدت سلسلة من المعاهدات التاريخية مثل معاهدة حظر التجارب النووية الجزئية (1963)، ومعاهدات “سالت” (SALT) في السبعينيات، وصولاً إلى معاهدة القوات النووية متوسطة المدى (INF) عام 1987، ومعاهدات “ستارت” (START) التي تلتها، والتي شكلت مجتمعة إطاراً لخفض التوترات وبناء الثقة.
ما هي معاهدة “نيو ستارت” وماذا تنص؟
تم توقيع معاهدة “نيو ستارت” في عام 2010 من قبل الرئيسين باراك أوباما وديمتري ميدفيديف، ودخلت حيز التنفيذ في 2011. تُعد هذه المعاهدة حجر الزاوية في جهود ضبط التسلح العالمية، حيث تفرض قيوداً يمكن التحقق منها على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم. تشمل بنودها الرئيسية ما يلي:
- تحديد عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية المنشورة بـ 1,550 رأساً لكل جانب.
- تحديد عدد أنظمة الإطلاق الاستراتيجية (الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة) بـ 700 نظام منشور.
- تأسيس نظام صارم للتحقق والمراقبة، يتضمن عمليات تفتيش ميدانية متبادلة وتبادل منتظم للبيانات، وهو ما يوفر شفافية لا مثيل لها ويمنع الشكوك وسوء التقدير.
التأثير المتوقع: عالم أكثر خطورة
إن انهيار معاهدة “نيو ستارت” لن يكون مجرد حدث دبلوماسي، بل سيحمل تداعيات عميقة على الأمن الدولي. فبدون القيود وآليات التحقق التي تفرضها المعاهدة، ستدخل الولايات المتحدة وروسيا في فراغ استراتيجي لأول مرة منذ عقود. التأثيرات المحتملة تشمل:
- سباق تسلح جديد: في غياب أي قيود، قد تسعى كلتا الدولتين إلى زيادة حجم ونوعية ترساناتهما النووية بشكل كبير لمواجهة التهديدات المتصورة، مما يدخل العالم في دوامة خطيرة من التنافس العسكري.
- تآكل الشفافية والثقة: سيؤدي توقف عمليات التفتيش وتبادل البيانات إلى انعدام الرؤية حول القدرات النووية للطرف الآخر، مما يزيد من احتمالات سوء الفهم والتصعيد خلال الأزمات.
- تأثير عالمي: قد يشجع انهيار المعاهدة دولاً أخرى على تطوير أو توسيع برامجها النووية، بحجة أن القوى الكبرى نفسها لم تعد تلتزم بضبط التسلح، مما يضعف نظام منع الانتشار النووي العالمي بأكمله.
في المحصلة، يمثل المصير المجهول لمعاهدة “نيو ستارت” نقطة تحول تاريخية. فالعالم لا يواجه فقط خطر انتهاء صلاحية وثيقة قانونية، بل يواجه احتمالية تفكك بنية أمنية استغرق بناؤها أكثر من نصف قرن من الدبلوماسية الشاقة لتجنيب البشرية أهوال الحرب النووية.


