العلاقات السعودية التركية: شراكة استراتيجية وأمنية واقتصادية

العلاقات السعودية التركية: شراكة استراتيجية وأمنية واقتصادية

03.02.2026
10 mins read
تحليل لزيارة الرئيس التركي أردوغان للسعودية، وأثرها على تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين ودورهما في استقرار المنطقة وفق رؤية 2030.

مرحلة جديدة في العلاقات السعودية التركية

تُمثل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية ولقائه بصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، وتدشيناً لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين قوتين إقليميتين محوريتين. تتجاوز هذه الزيارة البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة لتعكس إرادة سياسية مشتركة لتعميق التنسيق في كافة المجالات، بما يخدم مصالح البلدين ويعزز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

من التوتر إلى الشراكة: خلفية تاريخية للعلاقات

شهدت العلاقات السعودية التركية خلال العقد الماضي بعض التحديات والفتور، إلا أن الحكمة السياسية والرغبة في تجاوز الخلافات أعادت الدفء إلى مسارها. بدأت ملامح التقارب بالظهور بشكل جلي في السنوات الأخيرة، وتوجت بزيارات متبادلة رفيعة المستوى، أبرزها زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى أنقرة في يونيو 2022، والتي وضعت أسس المصالحة الكاملة وفتحت آفاقاً واسعة للتعاون. تأتي زيارة الرئيس أردوغان الحالية لتبني على هذا الزخم، وتؤكد أن الرياض وأنقرة تتجهان نحو شراكة راسخة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وإدراك عميق لأهمية دورهما كعضوين بارزين في مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الإسلامي.

أبعاد استراتيجية وأمنية: تنسيق لتعزيز استقرار المنطقة

يكتسب التنسيق الأمني والعسكري بين المملكة وتركيا أهمية قصوى في ظل التحديات التي تواجه المنطقة. ويعد “مجلس التنسيق السعودي التركي”، الذي أُنشئ عام 2016، الإطار المؤسسي الرئيسي لتنظيم هذا التعاون. وقد شهد هذا المجال تطوراً نوعياً بتوقيع الخطة التنفيذية للتعاون الدفاعي، التي تركز على نقل وتوطين التقنيات العسكرية وتبادل الخبرات. ويبرز في هذا السياق عقد الاستحواذ الذي وقعته وزارة الدفاع مع شركة “بايكار” التركية لتوطين صناعة الطائرات المسيّرة، وهو ما لا يمثل صفقة تسليح فحسب، بل خطوة استراتيجية تتماشى مع أهداف رؤية 2030 لتطوير قطاع الصناعات العسكرية المحلية وتعزيز الاكتفاء الذاتي للمملكة.

آفاق اقتصادية واعدة: رؤية 2030 تلتقي بالقوة الصناعية التركية

على الصعيد الاقتصادي، يسعى البلدان إلى بناء شراكة تكاملية تستفيد من القدرات الهائلة لكل منهما. فالمملكة، من خلال رؤية 2030 ومشاريعها العملاقة، توفر فرصاً استثمارية غير مسبوقة، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية متطورة وخبرات واسعة في قطاعات المقاولات والسياحة والتصنيع. وقد انعكس هذا التوجه في النمو الملحوظ لحجم التبادل التجاري الذي تجاوز 7.4 مليار دولار في عام 2024، مع طموحات كبيرة لزيادته. وتعمل مذكرات التفاهم الموقعة في مجال الاستثمار المباشر على خلق بيئة جاذبة للشركات التركية، التي بلغ عددها في السوق السعودي حوالي 390 شركة، مما يمهد الطريق لتدفقات استثمارية أكبر تساهم في تنويع الاقتصاد السعودي وتحقيق أهداف الرؤية.

التأثير الإقليمي والدولي: ثقل مشترك في عالم متغير

إن التقارب السعودي التركي لا يقتصر تأثيره على البلدين فقط، بل يمتد ليشمل الساحتين الإقليمية والدولية. فكلا البلدين يمتلكان ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً، وتوافقهما حول ضرورة حل الأزمات بالطرق السلمية والحوار واحترام سيادة الدول يعزز من فرص تحقيق الاستقرار في المنطقة. ومن المتوقع أن ينعكس هذا التنسيق على مواقفهما في المحافل الدولية، ويسهم في بلورة رؤى مشتركة للتعامل مع القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يخدم مصالح العالم الإسلامي ويعزز من مكانة البلدين كلاعبين مؤثرين على الساحة العالمية.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

أذهب إلىالأعلى