في قلب العاصمة السعودية الرياض، جمع المنتدى السعودي للإعلام 2024 نخبة من الخبراء والمتخصصين لمناقشة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في العصر الرقمي، وذلك ضمن جلسة حوارية محورية بعنوان “صحافة الغد: الحقيقة في عصر الخوارزميات”. استهدفت الجلسة استشراف مستقبل العمل الصحفي في ظل الهيمنة المتزايدة للتقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التي باتت تشكل عصب صناعة المحتوى الإخباري وتوزيعه.
خلفية وأهمية المنتدى السعودي للإعلام
يُعد المنتدى السعودي للإعلام، الذي تنظمه هيئة الصحفيين السعوديين، منصة رائدة على المستويين المحلي والإقليمي، حيث انطلق ليكون ملتقى سنوياً يجمع قادة الفكر وصناع الإعلام والخبراء لمواكبة التحولات المتسارعة في القطاع. يكتسب المنتدى أهميته من كونه يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تطوير قطاع إعلامي حيوي ومؤثر، قادر على المنافسة عالميًا. ومنذ انطلاقته، حرص المنتدى على طرح القضايا الجوهرية التي تواجه الإعلام، بدءًا من التحول الرقمي ووصولًا إلى استدامة المؤسسات الإعلامية وتأثير التقنيات الناشئة.
تحديات وفرص صحافة الخوارزميات
أدار الجلسة الإعلامي نواف الصيعري، وشارك فيها كل من محمد البيشي، ومحمد زاهد جول، ويونس مجاهد، حيث قدموا رؤى متباينة وعميقة حول المشهد الإعلامي المستقبلي. أكد محمد البيشي أن “صحافة الغد” أصبحت مرتبطة بشكل لا ينفصم بالتقنية، مشيرًا إلى أن غرف الأخبار الاقتصادية، التي تعتمد بشكل كبير على دقة الأرقام والبيانات، تواجه تحديًا مضاعفًا. وأوضح أن الخوارزميات رغم مساهمتها في تسريع وصول المحتوى إلى الجمهور المستهدف، إلا أنها زادت من خطورة العمل الصحفي عبر تسهيل انتشار الأخبار الزائفة والمضللة بسرعة غير مسبوقة.
الوعي المجتمعي والحوكمة الإعلامية
من جانبه، قدم محمد زاهد جول منظورًا متفائلًا، حيث أشار إلى تنامي وعي الجمهور وقدرته على تمييز المحتوى المضلل أو المولّد بالذكاء الاصطناعي. وأضاف أن الأدوات التقنية نفسها التي تُستخدم في التزييف يمكن توظيفها لكشفه، مما يخلق سباقًا تقنيًا بين صناع المحتوى المضلل والمؤسسات التي تسعى للحفاظ على المصداقية. وفي السياق ذاته، شدد يونس مجاهد على المسؤولية التي تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية، داعيًا إلى ضرورة وضع سياسات تحريرية واضحة وحوكمة فعّالة لإدارة التعامل مع الخوارزميات. وأكد أن فهم “فلسفة” هذه الخوارزميات وكيفية عملها لم يعد ترفًا، بل ضرورة مهنية للصحفي والمؤسسة على حد سواء.
التأثير المحلي والإقليمي للنقاش
تأتي هذه النقاشات في وقت حاسم، حيث يشهد العالم العربي تحولًا رقميًا واسعًا، وتتزايد فيه التحديات المتعلقة بالسيادة الرقمية والمحتوى الموثوق. يساهم المنتدى السعودي للإعلام في وضع هذه القضايا على طاولة الحوار الإقليمي، مما يعزز من دور المملكة كقائد فكري في مجال تطوير الإعلام العربي. إن تبني استراتيجيات واضحة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي لا يضمن فقط بقاء المؤسسات الصحفية، بل يعزز من قدرتها على تقديم محتوى دقيق ومؤثر، ويحافظ على ثقة الجمهور التي تُعد الركيزة الأساسية لأي عمل إعلامي ناجح.


