في خطوة قد تمثل بارقة أمل نحو تهدئة الأوضاع المتوترة في شمال شرق سوريا، أعلن مجلس الوزراء عن ترحيبه وتثمينه للاتفاق الذي تم التوصل إليه لوقف إطلاق النار بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). يأتي هذا الاتفاق في أعقاب جولات من الاشتباكات المتقطعة التي شهدتها مناطق التماس بين الطرفين، مما أثار مخاوف من اندلاع صراع واسع النطاق قد يزيد من معاناة المدنيين في المنطقة.
خلفية الصراع والتوترات الأخيرة
تعود جذور التوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري، إلى سنوات الصراع السوري المعقد. فبينما تسيطر “قسد” بدعم من التحالف الدولي على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، تحتفظ الحكومة السورية بوجود عسكري وإداري في بعض المدن الكبرى ضمن هذه المناطق، مثل القامشلي والحسكة، مما يخلق وضعاً هشاً من التعايش الممزوج بالريبة والاشتباكات المحدودة التي تندلع بين الحين والآخر حول نقاط السيطرة والنفوذ.
وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً في حدة هذه الاشتباكات، خاصة في محيط مدينة الحسكة وريف دير الزور، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بالبدء في التصعيد. وغالباً ما تتركز هذه المواجهات حول السيطرة على حواجز أمنية أو أحياء سكنية أو موارد اقتصادية، مما يعطل الحياة اليومية للمواطنين ويهدد أمنهم.
أهمية الاتفاق وتأثيره المتوقع
يحمل اتفاق وقف إطلاق النار أهمية بالغة على عدة مستويات. على الصعيد المحلي، يمثل الاتفاق شريان حياة للمدنيين العالقين في مناطق التوتر، حيث يتيح لهم فرصة لالتقاط الأنفاس، ويفتح المجال أمام المنظمات الإنسانية لتقديم المساعدات الضرورية، كما يمنع المزيد من الدمار للبنية التحتية المتهالكة أصلاً. إن تثبيت وقف إطلاق النار هو الخطوة الأولى نحو إعادة بعض مظاهر الحياة الطبيعية إلى هذه المناطق.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذا الاتفاق، وإن كان محدوداً، يكتسب أهمية استراتيجية. فهو يقلل من احتمالية نشوب صراع واسع قد يستدعي تدخلاً من القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف السوري، مثل روسيا التي غالباً ما تلعب دور الوسيط بين دمشق و”قسد”، والولايات المتحدة الداعمة لـ”قسد”، وتركيا التي تراقب الأوضاع عن كثب. إن نجاح هذا الاتفاق قد يشكل نموذجاً يمكن البناء عليه لحل الخلافات في مناطق أخرى، ويمهد الطريق أمام حوار سياسي أوسع حول مستقبل إدارة مناطق شمال شرق سوريا ضمن الدولة السورية الموحدة.
ورغم الترحيب الرسمي، يبقى التحدي الأكبر في مدى التزام الطرفين ببنود الاتفاق على الأرض، وقدرة الوسطاء على ضمان استمراريته، ومعالجة الأسباب الجذرية للتوتر لمنع تجدد المواجهات في المستقبل.


