خطوة استراتيجية نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030
في خطوة تعكس التزام المملكة العربية السعودية بتعزيز اقتصادها الوطني وتنويع مصادره، أقرت هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية حزمة من التعديلات الجوهرية على إجراءات قياس وتدقيق المحتوى المحلي. تأتي هذه الضوابط الجديدة في سياق أوسع يهدف إلى تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تضع توطين الصناعة وزيادة المكون المحلي في مختلف القطاعات على رأس أولوياتها. تسعى الهيئة من خلال هذه الإجراءات إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة وموثوقة، وتعزيز الشفافية في المشتريات الحكومية، وضمان توجيه الإنفاق الحكومي والخاص لدعم المنتجات والخدمات الوطنية.
تعزيز الشفافية في بيانات القوى العاملة
أحد أبرز التعديلات الجديدة هو إلزام المنشآت بتقديم تصنيف أكثر تفصيلاً للقوى العاملة. لم يعد التصنيف يقتصر على “سعودي” و”وافد” فقط، بل أصبح من الضروري الآن تقديم تفصيل جندري يوضح أعداد الموظفين الذكور والإناث ضمن كل فئة. و لضمان دقة هذه البيانات، ستخضع لعمليات تدقيق صارمة تشمل اختبار عينات عشوائية تمثل 20% من إجمالي تكلفة القوى العاملة أو 40 موظفاً (أيهما أقل)، للتحقق من صحة المبالغ والتصنيفات الوظيفية والجندرية. يعكس هذا التوجه اهتماماً متزايداً ليس فقط بالتوطين، بل أيضاً بتعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل وتوفير بيانات دقيقة لصناع القرار.
تدقيق صارم لسلاسل الإمداد وتحديد المصدر الحقيقي
لمواجهة ظاهرة الموردين الوسطاء وضمان وصول الدعم للمصنعين المحليين الحقيقيين، فرضت الهيئة إجراءات مشددة على سلاسل الإمداد. في حال كانت السلعة محلية الصنع والمورد ليس هو المصنّع، أصبحت المنشأة ملزمة بالإفصاح عن هوية المصنع المنتج ورقمه الوطني الموحد. كما تشترط الإجراءات الجديدة الإفصاح عن قائمة تضم ما لا يقل عن 10 موردين رئيسيين، أو ما يغطي 70% من إجمالي تكاليف السلع والخدمات، لضمان الشفافية الكاملة في هيكل التكاليف. تهدف هذه الخطوة إلى قطع الطريق على الممارسات التي تضعف المحتوى المحلي وتضمن أن القيمة المضافة تبقى داخل الاقتصاد السعودي.
ضوابط جديدة للإنفاق الرأسمالي والأصول
شملت التعديلات أيضاً تشديد الرقابة على الإنفاق الرأسمالي. حيث سيتم تصنيف أي تكلفة غير محددة المصدر على أنها “تكلفة غير مسموح بها” في حساب نسبة المحتوى المحلي. وفي حال تجاوزت هذه التكاليف 30% من إجمالي النفقات الرأسمالية، يتوجب على المنشأة الحصول على موافقة مسبقة من الهيئة. علاوة على ذلك، يجب على المنشآت تقديم سجل مفصل للأصول يوضح ما إذا كانت قد تم إنتاجها محلياً أم استيرادها، مع تفصيل مكونات الأصول المعقدة مثل المصانع ومحطات الطاقة، لتحديد نسبة المكون المحلي فيها بدقة.
الأثر الاقتصادي المتوقع وأهمية الإجراءات
من المتوقع أن يكون لهذه الضوابط تأثير إيجابي كبير على الاقتصاد المحلي. فعلى المدى القصير، ستزيد من دقة وشفافية البيانات، مما يمكن الهيئة من قياس المحتوى المحلي بفعالية أكبر. أما على المدى الطويل، فستشجع هذه الإجراءات الشركات على زيادة استثماراتها في التصنيع المحلي، وتطوير سلاسل إمداد وطنية قوية، وتدريب وتوظيف المزيد من الكوادر السعودية من الجنسين. كما أنها تعزز من تنافسية المنتج المحلي في العقود الحكومية، وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تبحث عن بيئة تشريعية واضحة وداعمة للصناعة المحلية، مما يساهم بشكل مباشر في تنويع القاعدة الاقتصادية للمملكة وتقليل الاعتماد على النفط.


