في خطوة تعكس ثقة متزايدة في مستقبل المعدن الأصفر، تمسكت بنوك استثمارية عالمية كبرى بتوقعاتها الصعودية لأسعار الذهب، متوقعة أن تتجاوز حاجز 6000 دولار للأوقية بحلول عام 2026. وتستند هذه الرؤية المتفائلة إلى مجموعة من العوامل الأساسية، أبرزها استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية حول العالم ورغبة المستثمرين في التحوط من خلال الأصول الحقيقية.
وفي هذا السياق، أصدر بنك “جي بي مورجان” مذكرة بحثية حديثة توقع فيها أن يصل سعر الذهب إلى 6300 دولار للأوقية بنهاية عام 2026. وأشار البنك الأمريكي إلى أن مشتريات البنوك المركزية ستظل محركًا رئيسيًا للسوق، مقدرًا أن تصل إلى 800 طن في ذلك العام. وأوضح محللو البنك أن “التنويع المستمر لاحتياطيات البنوك المركزية سيستمر وسط نظام راسخ لتفوق أداء الأصول الحقيقية على الأصول الورقية”، مؤكدين قناعتهم بقوة الذهب على المدى المتوسط رغم التقلبات قصيرة الأجل.
السياق التاريخي ودور الذهب كملاذ آمن
تاريخيًا، لطالما لعب الذهب دور الملاذ الآمن في أوقات الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية. فمنذ إلغاء معيار الذهب في أوائل السبعينيات، أصبح المعدن النفيس أداة رئيسية للمستثمرين والبنوك المركزية للتحوط ضد التضخم وتقلبات أسعار العملات. وقد شهد العقد الماضي تسارعًا في وتيرة شراء الذهب من قبل البنوك المركزية، خاصة في الاقتصادات الناشئة مثل الصين وروسيا والهند، في محاولة لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي وتنويع أصولها الاحتياطية. وتأتي هذه الخطوة كجزء من استراتيجية أوسع لمواجهة المخاطر المرتبطة بالديون السيادية والتوترات التجارية العالمية.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة على الاقتصاد العالمي
إن تحقيق أسعار الذهب لهذه المستويات القياسية سيكون له تأثيرات عميقة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى العالمي، يشير هذا الارتفاع إلى تزايد حالة عدم اليقين في الأسواق المالية وتآكل الثقة في العملات الورقية التقليدية. كما أنه قد يؤدي إلى إعادة تقييم للأصول في المحافظ الاستثمارية العالمية، مع زيادة تخصيص الأموال للملاذات الآمنة. أما على المستوى الإقليمي، فستستفيد الدول المنتجة للذهب من زيادة إيراداتها، بينما ستعزز الدول التي تمتلك احتياطيات كبيرة من الذهب (بما في ذلك العديد من دول الشرق الأوسط) من قوة ميزانياتها ومراكزها المالية. بالنسبة للمستثمرين الأفراد، يمثل هذا الاتجاه فرصة لتحقيق عوائد كبيرة، ولكنه يسلط الضوء أيضًا على أهمية التنويع لحماية الثروة من تقلبات السوق.
من جانبه، أكد “دويتشه بنك” أيضًا على توقعاته بوصول سعر الذهب إلى 6000 دولار للأوقية في عام 2026، مشيرًا إلى أن طلب المستثمرين على المعدن الثمين سيظل قويًا. ورغم موجات البيع التي قد تحدث على المدى القصير نتيجة لبيانات اقتصادية أو قرارات تتعلق بالسياسة النقدية للبنوك المركزية الكبرى مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلا أن الاتجاه العام على المدى الطويل لا يزال صعوديًا بقوة، مدعومًا بالأساسيات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية التي تعزز من جاذبية الذهب كأصل استراتيجي لا غنى عنه.


