في خطوة دبلوماسية بارزة، أصدر الرئيس الإيراني الجديد، مسعود بزشكيان، أوامره ببدء محادثات مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وذلك بحسب ما نقلته وكالة أنباء فارس ومصادر حكومية إيرانية. ورغم عدم تحديد موعد رسمي بعد، فإن هذا التوجيه يمثل تحولاً مهماً في السياسة الخارجية الإيرانية ويفتح الباب أمام إمكانية إحياء المفاوضات المتعثرة منذ فترة طويلة.
خلفية تاريخية للملف النووي
تعود جذور التوتر الحالي إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، والذي أبرمته إيران مع مجموعة القوى العالمية (P5+1) التي تضم الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين، روسيا، وألمانيا. وبموجب هذا الاتفاق، وافقت طهران على تقييد برنامجها النووي بشكل كبير وفتحه لعمليات تفتيش دولية مكثفة مقابل رفع العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة عليها.
إلا أن المشهد تغير جذرياً في عام 2018 عندما قرر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق بشكل أحادي، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران ضمن سياسة “الضغط الأقصى”. رداً على ذلك، بدأت إيران بالتراجع تدريجياً عن التزاماتها النووية، حيث قامت بزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم وتوسيع قدراتها النووية، مما أثار قلق المجتمع الدولي.
أهمية الخطوة وتأثيرها المتوقع
يأتي قرار الرئيس بزشكيان، الذي يُعرف بتوجهاته الإصلاحية، كإشارة قوية على رغبة إدارته في العودة إلى المسار الدبلوماسي لحل الأزمة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية بالغة على عدة مستويات:
- على الصعيد المحلي: يمكن أن يؤدي إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات إلى إنعاش الاقتصاد الإيراني المنهك، وتخفيف الضغوط المعيشية على المواطنين، وهو ما كان أحد الوعود الرئيسية في حملة بزشكيان الانتخابية.
- على الصعيد الإقليمي: من شأن التوصل إلى تفاهم بين طهران وواشنطن أن يساهم في خفض منسوب التوتر في منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد حالة من عدم الاستقرار. وقد يطمئن ذلك دول الجوار الخليجية التي تبدي قلقاً من طموحات إيران النووية.
- على الصعيد الدولي: يمثل استئناف المفاوضات انتصاراً لجهود منع الانتشار النووي، ويعيد البرنامج الإيراني إلى إطار الرقابة الدولية الصارمة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما قد يؤدي إلى عودة النفط الإيراني بشكل كامل إلى الأسواق العالمية، مما يؤثر على أسعار الطاقة.
تحديات وتوقعات مستقبلية
رغم الأجواء الإيجابية التي أحدثها الإعلان، لا يزال الطريق نحو التوصل إلى اتفاق محفوفاً بالتحديات. فالمشهد السياسي في كل من إيران والولايات المتحدة قد تغير، وهناك تيارات متشددة في كلا البلدين تعارض العودة إلى الاتفاق. كما أن تعيين الدبلوماسي المخضرم عباس عراقجي، أحد مهندسي اتفاق 2015، وزيراً للخارجية، يعزز من جدية التوجه الإيراني الجديد. وبينما تترقب الأوساط الدولية تحديد موعد ومكان اللقاءات المرتقبة، يبقى نجاح هذه المحادثات مرهوناً بمدى مرونة الطرفين وقدرتهما على بناء الثقة المفقودة.


