في خطوة تعكس ثقلها المتزايد على الساحة الدولية في مجال الأمن الرقمي، شاركت المملكة العربية السعودية، ممثلة بالهيئة الوطنية للأمن السيبراني، بفعالية في اجتماع اللجنة المخصصة لإعداد مشروع النظام الداخلي لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية. وقد عُقد هذا الاجتماع المحوري في مقر الأمم المتحدة بمدينة فيينا، حيث تم استكمال صياغة القواعد الإجرائية التي ستنظم عمل المؤتمر الدولي القادم.
خلفية تاريخية وسياق عالمي
يأتي هذا التحرك في وقت أصبحت فيه الجرائم السيبرانية تشكل تهديدًا عابرًا للحدود، يستهدف الاقتصادات والبنى التحتية الحيوية والأمن القومي للدول. وإدراكًا لهذه المخاطر، بدأت الأمم المتحدة مسارًا تفاوضيًا مكثفًا منذ سنوات لوضع أول معاهدة دولية شاملة وملزمة لمكافحة هذه الجرائم. وتُعد هذه الاتفاقية، التي طال انتظارها، تطورًا تاريخيًا هامًا، فهي أول معاهدة متعددة الأطراف تحت مظلة الأمم المتحدة في هذا المجال منذ أكثر من عقدين، وتهدف إلى توحيد الجهود الدولية وتسهيل التعاون في ملاحقة المجرمين الإلكترونيين وتبادل المعلومات.
دور المملكة الريادي وأهميته الاستراتيجية
لم تكن مشاركة المملكة مجرد حضور بروتوكولي، بل لعبت دورًا قياديًا، خاصة بصفتها رئيس لجنة الدبلوماسية السيبرانية العربية المنبثقة عن مجلس وزراء الأمن السيبراني العرب. حيث عملت بشكل حثيث مع الدول العربية لتوحيد الرؤى والوصول إلى موقف عربي مشترك يدعم صياغة نظام داخلي عادل ومتوازن للاتفاقية. يعكس هذا الجهد التزام المملكة بدعم الاستقرار في الفضاء السيبراني العالمي، وهو ما ينسجم بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية 2030 التي ترتكز على التحول الرقمي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، الأمر الذي يتطلب بيئة سيبرانية آمنة وموثوقة.
التأثير المتوقع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية
على الصعيد الدولي، ستساهم هذه الاتفاقية في سد الفجوات التشريعية بين الدول، وتوفير إطار قانوني موحد لتسليم المجرمين وجمع الأدلة الرقمية، مما يعزز من فعالية مكافحة الهجمات الإلكترونية وغسيل الأموال الرقمي والاحتيال عبر الإنترنت. أما إقليميًا، فإن قيادة السعودية للموقف العربي الموحد تعزز من مكانتها كقوة مؤثرة في رسم السياسات الرقمية والأمنية في المنطقة. وعلى المستوى المحلي، تكتسب الهيئة الوطنية للأمن السيبراني خبرات دولية متقدمة، وتؤكد على دورها كجهة مرجعية وطنية تهدف إلى حماية المصالح الحيوية للمملكة وبنيتها التحتية الرقمية، وتمثيلها بفاعلية في المحافل الدولية لضمان توافق الالتزامات الدولية مع المصالح الوطنية العليا.


