انطلاقة تاريخية لقطاع المياه العالمي من رابغ
أعلنت الهيئة السعودية للمياه عن بدء تشغيل “واحة المياه للابتكار” في محافظة رابغ، في خطوة تاريخية تمثل نقلة نوعية في قطاع تقنيات المياه. وصُنفت الواحة رسميًا في موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكبر منظومة متكاملة لابتكارات المياه في العالم، حيث تجمع تحت سقف واحد بين البحث العلمي المتقدم والتجارب التطبيقية والتنفيذ الصناعي، مما يسرّع من وتيرة تحويل الأفكار البحثية إلى حلول عملية ومستدامة.
السياق الاستراتيجي: الأمن المائي ورؤية 2030
يأتي إطلاق هذا المشروع الضخم في سياق جهود المملكة العربية السعودية المستمرة لمواجهة تحديات شح المياه، والتي تعد من أبرز التحديات البيئية في المنطقة. تاريخيًا، كانت المملكة رائدة عالميًا في مجال تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاتها المتزايدة. واليوم، تمثل “واحة المياه للابتكار” تطورًا استراتيجيًا في هذا المسار، حيث تنتقل المملكة من كونها مستوردًا ومطبقًا للتقنيات إلى مصدّر ومبتكر لها. ينسجم هذا التوجه بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة، وتعزيز الاستدامة البيئية، وتحسين جودة الحياة.
مكونات الواحة وتأثيرها المتوقع
تضم الواحة بنية تحتية متطورة تشمل أكثر من 23 مختبرًا متخصصًا ومنصات تجريبية متكاملة. صُممت هذه المرافق لاختبار وتطوير تقنيات مبتكرة في جميع مراحل دورة المياه، بدءًا من الإنتاج والنقل والتوزيع، وصولًا إلى إعادة الاستخدام والمعالجة. ومن أبرز ما يميز الواحة هو توظيفها لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة وتشغيل منظومات المياه، مما يضمن كفاءة تشغيلية غير مسبوقة. ومن المتوقع أن تسهم مخرجات الواحة في سد الفجوة بين البحث والتطبيق، ودعم تحويل التقنيات المطورة إلى حلول صناعية وتجارية قابلة للتوسع، لا تخدم المملكة فحسب، بل تساهم في تحقيق الأمن المائي في مختلف دول العالم التي تواجه تحديات مماثلة.
التزام بالاستدامة والطاقة النظيفة
تؤكد الهيئة السعودية للمياه أن الواحة تعمل وفق أعلى معايير الاستدامة، حيث تعتمد على الطاقة النظيفة بنسبة 41% في تشغيلها، كما تم تصميم مبانيها لتستفيد من الإضاءة الطبيعية بنسبة 90%. هذه الممارسات الصديقة للبيئة ستسهم في خفض الانبعاثات الكربونية بأكثر من 284 طنًا من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، مما يجعل الواحة نموذجًا عالميًا للمنشآت البحثية المستدامة.
أبعاد إقليمية ودولية
على الصعيد الإقليمي، ستعزز الواحة من مكانة المملكة كمركز رائد في تقنيات المياه، مما يتيح فرصة لتصدير الحلول المبتكرة إلى دول الجوار التي تعاني من ندرة المياه. أما على الصعيد الدولي، فإن هذا المشروع يضع السعودية في طليعة الجهود العالمية لمواجهة أزمة المياه، ويقدم حلولًا عملية يمكن أن تتبناها دول أخرى لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالمياه والصرف الصحي.


