في قلب منطقة عسير، وتحديداً في محافظة محايل، تتجلى قصة فريدة من الارتباط العميق بين الإنسان وأرضه، حكاية ترويها نكهة طبق الحنيذ الشهير المكلل بحلاوة العسل المحلي الأصيل. هذه العلاقة ليست مجرد وصفة طعام، بل هي هوية ثقافية متكاملة، ورمز للكرم والضيافة التي تميز المائدة الجنوبية، حيث يمثل هذا الثنائي تعبيراً صادقاً عن ثراء الموروث الغذائي السعودي.
خلفية تاريخية: الحنيذ كطقس اجتماعي
يعود تاريخ الحنيذ إلى قرون مضت، فهو ليس مجرد طبق لحم، بل طريقة طهي عريقة ابتكرها الأجداد لتناسب طبيعة حياتهم الاجتماعية. يتم تحضير الحنيذ عادةً من لحم الضأن أو الماعز، ويُطهى ببطء شديد داخل حفرة في الأرض تُعرف بـ “الميفا” أو التنور. تُبطّن الحفرة بأغصان عطرية من أشجار المرخ أو البشام، التي تمنح اللحم نكهته الدخانية المميزة ورطوبته الفريدة. كانت هذه الطريقة مثالية لطهي كميات كبيرة من اللحم في المناسبات والولائم الكبرى، مما جعل الحنيذ طبقاً مرتبطاً بالاحتفالات والتجمعات العائلية، وعلامة فارقة على كرم المضيف.
عسل عسير: كنز من الطبيعة الجبلية
تتميز منطقة عسير بتضاريسها الجبلية الشاهقة وأوديتها الخصبة، مما يخلق تنوعاً بيئياً فريداً يزدهر فيه غطاء نباتي غني. هذه البيئة المثالية جعلت من المنطقة موطناً لتربية النحل وإنتاج أجود أنواع العسل في العالم. ومن أشهر أنواع العسل العسيري عسل السدر، والسمرة، والطلح، والمجرى، ولكل منها خصائصه ونكهته التي تعكس رحيق الأزهار التي تغذى عليها النحل. هذا التنوع والجودة العالية هما ما جعلا العسل مكوناً لا غنى عنه في المطبخ العسيري، ورفيقاً دائماً للحنيذ.
التكامل بين النكهات والأثر الاقتصادي
إن تقديم العسل إلى جانب الحنيذ ليس إضافة عشوائية، بل هو فن في موازنة النكهات. فالحلاوة الطبيعية للعسل توازن دسامة اللحم المطهو ببطء، وتضفي طبقة من التعقيد على التجربة الذائقية. ويؤكد الخبير ومنتج العسل علي بن صمان، الحائز على جوائز عالمية، أن “العلاقة بين العسل والحنيذ في محايل متجذرة في ثقافة المكان”، مشيراً إلى أن تقديمه يعكس مفهوماً متكاملاً للضيافة الأصيلة. وقد أسهم هذا الارتباط الوثيق في دعم الاقتصاد المحلي، حيث تجد منتجات النحالين والأسر المنتجة طريقها إلى الأسواق والزوار من خلال الفعاليات التراثية، مثل مهرجان الحنيذ السنوي، الذي أصبح منصة حيوية لتعزيز السياحة الثقافية والغذائية بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 لإبراز التراث الوطني.
أهمية عالمية وإرث مستمر
لم يعد هذا التقليد مجرد شأن محلي، بل بدأ يكتسب اهتماماً إقليمياً ودولياً. ففوز منتجي العسل من عسير بجوائز عالمية يسلط الضوء على جودة المنتج السعودي وقدرته على المنافسة عالمياً. كما أن هذا المزيج الفريد بين الحنيذ والعسل يجذب السياح الباحثين عن تجارب ثقافية أصيلة، ويضع المطبخ السعودي الجنوبي على خريطة وجهات الطعام العالمية. وهكذا، تبقى علاقة العسل بالحنيذ في محايل عسير شاهداً حياً على عمق التراث، وقدرته على التجدد والاستمرار، مقدماً للعالم نكهة تحكي قصة مكان وإنسان وهوية تتوارثها الأجيال.


