خطوة استراتيجية لتعزيز الاقتصاد وحماية التراث الوطني
في خطوة استراتيجية تهدف إلى حماية المنتجات الوطنية وتعزيز قيمتها التنافسية، طرحت الهيئة السعودية للملكية الفكرية (SAIP) مشروع اللائحة التنفيذية لنظام حماية المؤشرات الجغرافية. يأتي هذا المشروع، الذي تم عرضه عبر منصة “استطلاع” لجمع آراء العموم، استكمالاً للمنظومة التشريعية التي تهدف إلى ترسيخ حقوق المنتجين وحماية المستهلكين من الممارسات المضللة، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 لتنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز الصناعات غير النفطية.
السياق العالمي لحماية المؤشرات الجغرافية
تُعرّف المؤشرات الجغرافية عالمياً بأنها علامات تُستخدم للسلع التي لها منشأ جغرافي معين، وتُعزى صفاتها أو سمعتها إلى ذلك المنشأ. وتُعد هذه المؤشرات أداة حيوية لحماية التراث الثقافي والزراعي للدول، كما هو الحال مع منتجات شهيرة مثل “شاي دارجيلنغ” الهندي أو “جبن روكفورت” الفرنسي. وتستند حماية هذه المؤشرات إلى اتفاقيات دولية، أبرزها اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة (TRIPS)، التي تُلزم الدول الأعضاء بتوفير الحماية القانونية اللازمة لمنع استخدامها بشكل مضلل. ومن خلال هذه اللائحة، تؤكد المملكة التزامها بالمعايير الدولية وتعمل على بناء نظام ملكية فكرية متكامل وموثوق.
أهمية اللائحة وتأثيرها المتوقع
تكتسب هذه اللائحة أهمية بالغة على الصعيدين المحلي والدولي. فعلى المستوى المحلي، ستوفر إطاراً قانونياً لحماية منتجات سعودية فريدة ذات ارتباط جغرافي وثيق، مثل “البن الخولاني السعودي”، و”الورد الطائفي”، و”تمور الأحساء”. هذا الأمر لن يقتصر على حماية هذه المنتجات من التقليد أو الاستخدام غير المشروع لأسمائها، بل سيسهم أيضاً في رفع قيمتها الاقتصادية، ودعم المزارعين والمنتجين المحليين، وتشجيع الحفاظ على أساليب الإنتاج التقليدية التي تمثل جزءاً من هوية المملكة الثقافية. كما أنها تمنح المستهلك ثقة أكبر في جودة وأصالة المنتج الذي يشتريه.
أما على الصعيد الدولي، فإن تسجيل وحماية المؤشرات الجغرافية السعودية يعزز من سمعة المنتجات الوطنية في الأسواق العالمية، ويفتح لها آفاقاً جديدة للتصدير، ويمنع استغلال أسمائها من قبل منتجين في دول أخرى. كما أن وجود هذا الإطار التنظيمي المتقدم يعزز من مكانة المملكة كبيئة جاذبة للاستثمار ومتوافقة مع أفضل الممارسات العالمية في مجال الملكية الفكرية.
أبرز ملامح مشروع اللائحة
يحدد مشروع اللائحة بدقة الإجراءات والشروط اللازمة لتسجيل المؤشر الجغرافي وحمايته. ومن أبرز ما تضمنه:
- تحديد مقدمي الطلبات: حصرت اللائحة الحق في تقديم طلب التسجيل في فئات محددة، كالأشخاص الاعتباريين الذين يمثلون اتحادات المنتجين، والجهات الحكومية المختصة، لضمان أن يكون الطلب مقدماً من جهة ذات صلة مباشرة بالمنتج.
- شروط الحماية: اشترطت اللائحة ألا يكون المؤشر مجرد اسم شائع أو وصف عام للمنتج، وأن يكون مميزاً ولا يسبب أي لبس أو تضليل للمستهلكين حول منشأ المنتج الحقيقي أو خصائصه.
- دليل الاستعمال: ألزمت اللائحة مقدم الطلب بتقديم “دليل استعمال” مفصل يوضح خصائص المنتج، وارتباطه بالبيئة الجغرافية (العوامل الطبيعية والبشرية)، وطرق الإنتاج والتصنيع المتبعة.
- إجراءات الفحص والنشر: وضعت اللائحة آلية واضحة لفحص الطلبات خلال مدة لا تتجاوز 180 يوماً، مع إتاحة الفرصة للاعتراض بعد نشر الطلبات المقبولة، مما يضمن الشفافية والعدالة في عملية التسجيل.
- الحماية القانونية: منحت اللائحة أصحاب الحقوق المسجلة القدرة على اللجوء إلى المحكمة المختصة لاتخاذ إجراءات تحفظية عاجلة لمنع أي تعدٍ وشيك على حقوقهم، مثل الحجز على المنتجات المقلدة أو وقف تداولها.


