تأثير السياسة النقدية على أسعار الذهب والفضة
شهدت أسواق المعادن الثمينة، وعلى رأسها الذهب والفضة، تقلبات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، متأثرة بمجموعة معقدة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية. وتعتبر قرارات السياسة النقدية للبنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) المحرك الرئيسي لهذه الأسواق. تاريخياً، يُنظر إلى الذهب والفضة كملاذ آمن يلجأ إليه المستثمرون في أوقات عدم اليقين الاقتصادي أو لضعف الدولار، حيث توجد علاقة عكسية بين قوة الدولار وأسعار الذهب؛ فعندما يرتفع الدولار، تنخفض أسعار الذهب المقومة به، والعكس صحيح.
خلفية تاريخية: العلاقة بين أسعار الفائدة والذهب
تكمن أهمية قرارات الاحتياطي الفيدرالي في تأثيرها المباشر على أسعار الفائدة. عندما يقرر البنك رفع أسعار الفائدة، يزداد العائد على الأصول التي تدر فائدة مثل السندات الحكومية، مما يجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة بالذهب الذي لا يدر أي عائد. هذا التحول في تفضيلات الاستثمار يؤدي عادةً إلى انخفاض الطلب على الذهب وبالتالي تراجع سعره. في المقابل، عندما يتم خفض أسعار الفائدة، تقل جاذبية السندات، ويتجه المستثمرون نحو الذهب كأداة للتحوط من التضخم والحفاظ على القيمة، مما يدفع أسعاره للارتفاع.
فترة ترامب: ضغوط سياسية على استقلالية الفيدرالي
خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، شهدت العلاقة بين الإدارة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي توتراً غير مسبوق. ففي أواخر عام 2017، قام ترامب بترشيح جيروم باول لرئاسة البنك المركزي، ولكن سرعان ما تحولت العلاقة إلى انتقادات علنية. كسر ترامب تقليداً دام لعقود من احترام استقلالية البنك المركزي، حيث انتقد باول مراراً وتكراراً لرفعه أسعار الفائدة، معتبراً أن هذه السياسة تعيق النمو الاقتصادي. هذه الضغوط السياسية أضافت طبقة جديدة من عدم اليقين للأسواق، حيث بات المستثمرون يراقبون ليس فقط البيانات الاقتصادية، بل أيضاً تغريدات الرئيس وتصريحاته التي قد تؤثر على قرارات الفيدرالي.
التأثير المتوقع على الأسواق المحلية والدولية
كان لهذه الديناميكية تأثير مباشر على أسعار الذهب. فكلما زادت حدة انتقادات ترامب للفيدرالي ودعواته لخفض الفائدة، كانت أسعار الذهب تتلقى دعماً مؤقتاً، حيث كانت الأسواق تتوقع سياسة نقدية أكثر تساهلاً. وعلى الصعيد الدولي، أدت حالة عدم اليقين بشأن السياسة التجارية الأمريكية، والحروب التجارية التي بدأها ترامب، إلى زيادة الطلب على الذهب كملاذ آمن. فالمستثمرون حول العالم، من الصين إلى أوروبا، كانوا يبحثون عن أصول آمنة بعيداً عن تقلبات الأسواق الناتجة عن الرسوم الجمركية والتوترات التجارية. وبالتالي، لم تكن أسعار الذهب تتأثر فقط بالسياسة النقدية، بل أصبحت أيضاً مؤشراً على مستوى التوتر في العلاقات التجارية الدولية التي كانت إدارة ترامب طرفاً رئيسياً فيها.


