إنجاز علمي يعزز الأمن المائي في المملكة
في خطوة فارقة نحو تحقيق الاستدامة المائية، نجح فريق من العلماء في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في تطوير غشاء بوليمري جديد يُحدث ثورة في عملية تحلية المياه. هذه التقنية المبتكرة لا تقتصر على تحسين كفاءة تحويل مياه البحر والمحاليل الملحية شديدة التركيز إلى مياه عذبة فحسب، بل تفعل ذلك بمتطلبات طاقة أقل بكثير من الطرق التقليدية، مما يفتح آفاقًا جديدة لإنتاج المياه بتكلفة اقتصادية وبيئية منخفضة.
السياق التاريخي: تحلية المياه كركيزة استراتيجية للمملكة
تعتبر المملكة العربية السعودية، بحكم موقعها الجغرافي ومناخها الصحراوي، من أكثر دول العالم التي تواجه تحديات ندرة المياه. ولعقود طويلة، شكلت تحلية المياه حجر الزاوية في استراتيجية الأمن المائي الوطني، حيث أصبحت المملكة أكبر منتج للمياه المحلاة على مستوى العالم. اعتمدت بشكل أساسي على تقنيات تقليدية مثل التناضح العكسي (RO) والتقطير متعدد المراحل (MSF)، وهي عمليات فعالة لكنها تستهلك كميات هائلة من الطاقة، مما يضع ضغطًا كبيرًا على الموارد الطبيعية ويسهم في زيادة البصمة الكربونية. من هنا، برزت الحاجة الملحة لابتكار حلول أكثر استدامة وكفاءة.
تفاصيل التقنية الجديدة: كفاءة عالية واستهلاك منخفض للطاقة
يقوم الابتكار الجديد الذي قدمه فريق كاوست، بقيادة البروفيسور نور الدين غفور، على أغشية رقيقة طاردة للماء (كارهة للماء) تحتوي على مسامات بمقياس دون النانومتر. تعمل هذه الأغشية وفق مبدأ “التقطير الغشائي”، حيث تسمح بمرور بخار الماء النقي فقط، بينما تحجب الأملاح والملوثات الأخرى بكفاءة فائقة تصل إلى 100%. الميزة الأبرز لهذه التقنية هي قدرتها على العمل في ظروف حرارة وضغط البيئة المحيطة، مما يلغي الحاجة إلى الضغوط العالية والحرارة المرتفعة التي تتطلبها التقنيات التقليدية، وبالتالي تخفيض استهلاك الطاقة بشكل جذري. كما أثبتت فعاليتها في معالجة المحاليل الملحية عالية التركيز، وهي مشكلة لطالما شكلت تحديًا مكلفًا لمحطات التحلية.
الأهمية والتأثير المتوقع: دعم لرؤية 2030 وأمن مائي عالمي
يحمل هذا الإنجاز أهمية استراتيجية كبرى على مختلف الأصعدة:
- محليًا: يتماشى هذا التطور بشكل مباشر مع أهداف رؤية السعودية 2030، التي تركز على الاستدامة وحماية البيئة وتنويع مصادر الطاقة. فمن خلال خفض تكلفة واستهلاك الطاقة في تحلية المياه، تساهم التقنية في تعزيز الأمن المائي لدعم النمو السكاني والتوسع الصناعي والمشاريع العملاقة، مع تقليل الأثر البيئي لقطاع المياه.
- إقليميًا: تقدم هذه التقنية نموذجًا يمكن تطبيقه في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تعاني من تحديات مائية مماثلة. وبذلك، تعزز المملكة مكانتها كمركز رائد للابتكار والحلول المستدامة في المنطقة.
- دوليًا: تساهم هذه التكنولوجيا في الجهود العالمية لمواجهة أزمة ندرة المياه، وتدعم تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، خاصة الهدف السادس المتعلق بضمان توافر المياه النظيفة للجميع.
من المختبر إلى الواقع: خطوات نحو التطبيق العملي
على عكس العديد من الأبحاث التي تبقى في إطار المختبرات، انتقلت تقنية كاوست الجديدة بالفعل إلى مرحلة التقييم على نطاق تجريبي داخل الحرم الجامعي. وقد أبدت جهات صناعية اهتمامًا كبيرًا باستكشاف سبل تطبيقها ونشرها على نطاق واسع. ويقوم الفريق حاليًا بتقييم مدى متانة الغشاء وقابليته للتوسع في ظل ظروف تشغيلية متنوعة، تمهيدًا لدمجه في أنظمة المياه البلدية والصناعية في المستقبل القريب، مما يمثل جسرًا حقيقيًا بين البحث العلمي المتقدم والاحتياجات الملحة للمجتمع.


