قرار متوقع في مواجهة التضخم
في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع من قبل المحللين والأسواق المالية، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير، لتظل في نطاقها الحالي بين 5.25% و5.50%. يمثل هذا القرار، الذي جاء بعد اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المرة الأولى التي يتوقف فيها البنك عن رفع الفائدة منذ بدء دورة التشديد النقدي القوية في مارس 2022، وهو ما يعكس نهجاً حذراً لتقييم آثار الزيادات السابقة على الاقتصاد.
السياق التاريخي: معركة كبح التضخم
يأتي هذا القرار في أعقاب سلسلة من 11 زيادة متتالية في أسعار الفائدة، وهي أسرع وتيرة للتشديد النقدي منذ عقود. كان الهدف الأساسي من هذه السياسة هو كبح جماح التضخم الذي وصل إلى أعلى مستوياته في 40 عاماً، مدفوعاً بعوامل متعددة شملت اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية بعد جائحة كوفيد-19، والحرب في أوكرانيا التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، بالإضافة إلى حزم التحفيز المالي الضخمة التي عززت الطلب الاستهلاكي. وقد نجحت هذه السياسة بالفعل في خفض معدلات التضخم بشكل ملحوظ من ذروتها، لكنها لا تزال أعلى من الهدف الذي يسعى إليه الفيدرالي وهو 2%.
أهمية القرار وتأثيراته المتوقعة
يحمل قرار تثبيت الفائدة دلالات هامة على مختلف الأصعدة، حيث يمنح صانعي السياسة النقدية وقتاً إضافياً لتقييم كيفية تأثير الزيادات السابقة على سوق العمل والنمو الاقتصادي ومسار التضخم. ويُعرف هذا التأثير بـ “التأخر الزمني للسياسة النقدية”، حيث قد يستغرق الأمر عدة أشهر حتى تظهر الآثار الكاملة لرفع الفائدة على الاقتصاد الحقيقي.
التأثير المحلي في الولايات المتحدة
على الصعيد المحلي، يعني القرار استمرار تكاليف الاقتراض المرتفعة للمستهلكين والشركات. ستظل أسعار الفائدة على القروض العقارية، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان عند مستويات مرتفعة، مما قد يبطئ من وتيرة الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار. في المقابل، قد يوفر هذا الاستقرار بعض الارتياح للأسواق المالية التي تتأثر سلباً بالزيادات المستمرة والمفاجئة في أسعار الفائدة.
التأثير الإقليمي والدولي
تتردد أصداء قرارات الفيدرالي الأمريكي في جميع أنحاء العالم نظراً لمكانة الدولار كعملة احتياط عالمية. يؤدي رفع الفائدة الأمريكية عادةً إلى تقوية الدولار، مما يزيد من عبء الديون المقومة بالدولار على الأسواق الناشئة ويرفع تكلفة الواردات للعديد من البلدان. وبالنسبة لدول الخليج العربي، التي تربط معظم عملاتها بالدولار، فإن بنوكها المركزية غالباً ما تحذو حذو الفيدرالي في قراراتها للحفاظ على استقرار سعر الصرف. لذلك، من المتوقع أن تبقي البنوك المركزية في السعودية والإمارات وقطر وغيرها على أسعار الفائدة دون تغيير، تماشياً مع السياسة الأمريكية.
نظرة مستقبلية: الحذر سيد الموقف
أشار مسؤولو الفيدرالي إلى أن هذا التوقف لا يعني بالضرورة نهاية دورة رفع الفائدة. لقد تركوا الباب مفتوحاً أمام زيادة أخرى في المستقبل إذا لم تظهر البيانات الاقتصادية القادمة تباطؤاً كافياً في التضخم. ستظل الأنظار متجهة نحو تقارير التضخم والتوظيف القادمة، والتي ستشكل أساس القرار المقبل للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، في سعيها لتحقيق التوازن الصعب بين السيطرة على الأسعار وتجنب دفع أكبر اقتصاد في العالم نحو الركود.


