تقرير “عقد من التقدم”: نظرة معمقة على تحولات سوق العمل السعودي
كشف تقرير دولي حديث بعنوان “عقدٌ من التقدم”، صدر عن المؤتمر الدولي لسوق العمل بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية، عن ثلاثة تحولات كبرى أعادت تشكيل سوق العمل في المملكة العربية السعودية بشكل جذري خلال العقد الماضي. يقدم التقرير تحليلاً شاملاً للمسار الذي سلكه السوق، موثقاً الإنجازات الملموسة التي تحققت منذ انطلاق رؤية السعودية 2030، والتي وضعت خارطة طريق طموحة لتنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص وتمكين الكفاءات الوطنية.
السياق التاريخي: من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع
تأتي هذه التحولات في سياق جهود المملكة الحثيثة لتجاوز التحديات الاقتصادية التقليدية المتمثلة في الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل. فقبل إطلاق رؤية 2030، كان الاقتصاد السعودي يعتمد بشكل كبير على القطاع العام كموظف رئيسي للمواطنين، بينما كان القطاع الخاص يعتمد بكثافة على العمالة الوافدة. هدفت الرؤية إلى تغيير هذه المعادلة عبر إصلاحات هيكلية واسعة، شملت تطوير الأنظمة والتشريعات، وتحفيز الاستثمار، والأهم من ذلك، الاستثمار في رأس المال البشري السعودي ليكون قادراً على المنافسة وقيادة عجلة التنمية في اقتصاد المستقبل.
التحول الأول: تنشيط سوق العمل وتعزيز الشمولية
يوثق التقرير توسعاً ملحوظاً في حجم القوى العاملة المنتجة، حيث ارتفعت معدلات المشاركة الاقتصادية إلى 67.1% بحلول عام 2025. هذا النمو لم يكن كمياً فقط، بل كان نوعياً وشاملاً، حيث انخفض معدل البطالة الإجمالي بشكل كبير ليصل إلى 2.8%، وهو ما يعكس نجاح السياسات في تحويل أعداد كبيرة من غير النشطين اقتصادياً إلى قوة عاملة فاعلة. وتعتبر مشاركة المرأة السعودية القصة الأبرز في هذا التحول، حيث قفز معدل توظيف النساء من 11% عام 2015 إلى 32% عام 2025، كما ارتفع معدل توظيف الأمهات المعيلات من 8% إلى 45% خلال الفترة نفسها، مما يعكس تغيراً اجتماعياً واقتصادياً عميقاً.
التحول الثاني: ديناميكية القطاع الخاص كمحرك رئيسي للتوظيف
يرصد التقرير تحولاً هيكلياً في دور القطاع الخاص، الذي أصبح المحرك الرئيسي لخلق فرص العمل للمواطنين. وبحلول الربع الثاني من عام 2025، بلغت نسبة توظيف السعوديين في القطاع الخاص 52.8%. هذا التحول لم يكن ليحدث لولا تحسن بيئة العمل وزيادة تنافسية القطاع. ومن المؤشرات الهامة على ذلك تحسن معدل المطابقة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الوظيفة من 41% في 2015 إلى 62% في 2025، مما قلل من فجوة المهارات وعزز من كفاءة السوق. كما أشار التقرير إلى نمو ملحوظ في دور المنشآت متناهية الصغر، التي ارتفعت حصتها من 6% إلى 26% من إجمالي التوظيف، مما يدل على حيوية ريادة الأعمال.
التحول الثالث: تغيرات عميقة في القيم الاجتماعية المرتبطة بالعمل
لم تقتصر الإصلاحات على الجانب الاقتصادي، بل امتدت لتشمل تحولات جوهرية في الثقافة المجتمعية تجاه العمل. فقد انخفضت نسبة الأشخاص غير الراغبين في العمل من 49% إلى 12% فقط، وتراجعت الفجوة في التفضيل بين القطاعين العام والخاص بشكل كبير. على سبيل المثال، انخفضت نسبة الباحثين عن وظائف حكومية فقط بين الرجال من 60% إلى 10%، وبين النساء من 48% إلى 22%. كما شهدت المعايير الاجتماعية المرتبطة بعمل المرأة تحولاً كبيراً، مع ارتفاع مستوى تقبل عملها في بيئات مختلطة، مما فتح آفاقاً واسعة أمامها في القطاع الخاص.
الأهمية والتأثير: نموذج إقليمي وتأثير دولي
تكتسب هذه التحولات أهمية كبرى على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، تساهم في بناء اقتصاد مستدام وأكثر استقراراً، وتعزز من الرفاه الاجتماعي. إقليمياً، تقدم التجربة السعودية نموذجاً ناجحاً يمكن لدول المنطقة الاستفادة منه في مواجهة تحديات مشابهة تتعلق بتنويع الاقتصاد وتوظيف الشباب. ودولياً، يؤكد البنك الدولي على أهمية هذه التجربة، حيث قال كريستوبال ريداو كانو، مدير الممارسات المعنية بالحماية الاجتماعية وسوق العمل في البنك الدولي: “أصبح القطاع الخاص اليوم أحد المحركات الرئيسية لنمو الوظائف الجديدة في المملكة، بما يتماشى مع رؤيتها للتنويع الاقتصادي”. وأشار إلى إمكانية نقل المعارف المكتسبة من نموذج التحول السعودي إلى دول أخرى، مما يضع المملكة في قلب الحوار العالمي حول مستقبل أسواق العمل.


