صعود تاريخي للمعادن الثمينة في مطلع 2026
مع بداية عام 2026، شهدت أسواق السلع العالمية موجة صعود قياسية وغير مسبوقة، حيث حلّق الذهب والفضة إلى مستويات تاريخية، محققين في شهر واحد ما كان متوقعًا على مدار عام كامل. يأتي هذا الارتفاع الجنوني في ظل إقبال المستثمرين والبنوك المركزية على الأصول المادية، باعتبارها الملاذ الآمن الأخير للتحوط ضد التوترات الجيوسياسية المتصاعدة وعدم اليقين الذي يخيم على الاقتصاد العالمي.
في بورصة كومكس للسلع في نيويورك، قفز سعر الذهب بنسبة 2.4% خلال تداولات الإثنين، ليكسر حاجز 5100 دولار للأوقية لأول مرة في تاريخه، وهو مستوى كان المحللون يتوقعون بلوغه في منتصف أو نهاية العام. أما الفضة، التي تُعرف بتقلباتها السعرية الحادة، فقد سجلت قفزة هائلة بنسبة 14.6% لتتجاوز 116 دولارًا للأوقية، مواصلةً بذلك مسيرة صعود ضاعفت قيمتها أكثر من ثلاث مرات خلال العام الماضي.
السياق التاريخي: تآكل هيمنة الدولار
يرى المحللون أن هذا الصعود لا يعكس مجرد تقلبات مؤقتة في السوق، بل هو مؤشر على تحول هيكلي أوسع نطاقًا بعيدًا عن الأصول المقومة بالدولار، في ظاهرة تُعرف بـ “تداول انخفاض قيمة العملة” أو “إزالة الدولرة”. هذا الاتجاه لم يبدأ اليوم، بل تعود جذوره إلى ما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث بدأت العديد من الدول في تنويع احتياطاتها بعيدًا عن الدولار لتقليل المخاطر. تسارعت هذه الوتيرة بشكل ملحوظ منذ عام 2022 مع اندلاع الحرب في أوكرانيا واستخدام العقوبات المالية كأداة سياسية، مما دفع دولًا كثيرة إلى البحث عن بدائل آمنة ومستقلة عن النظام المالي الأمريكي.
وقال بوب جوتليب، تاجر معادن سابق ومؤسس لمؤسسات مالية: “هذا ليس ارتفاعًا مؤقتًا، إنه ارتفاع جوهري يعكس تخلص العالم من الدولار، حيث تحمي البنوك المركزية نفسها من السياسة الأمريكية التي لا يمكن التنبؤ بها في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب”.
التوترات الجيوسياسية تشعل الأسعار
تجددت المخاوف في الأسابيع الأخيرة مع تبني إدارة ترامب موقفًا أكثر عدوانية في سياستها الخارجية، بما في ذلك اعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو وتهديد الحلفاء الأوروبيين. وقبل أيام، هدد ترامب كندا بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% إذا أبرمت اتفاقًا تجاريًا مع الصين. هذه الأحداث تزيد من علاوة المخاطر في الأسواق، وتدفع المستثمرين للهروب من الأصول الخطرة والعملات الورقية إلى الذهب، الذي أثبت عبر آلاف السنين قدرته على الحفاظ على القيمة في أوقات الحروب والأزمات.
ويضيف آدم تورنكويست، كبير الاستراتيجيين في “إل بي إل فايننشال”، أن ضعف الدولار الأمريكي، الذي تراجع لأدنى مستوى له منذ شهور، يمثل عاملًا إضافيًا يدعم صعود المعادن. فالدولار الضعيف يجعل السلع المقومة به، كالذهب، أرخص للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى، مما يزيد الطلب عليها.
الفضة والمعادن الصناعية: طلب مزدوج
لا يقتصر الأمر على الذهب، فالفضة تتألق بشكل خاص نظرًا لدورها المزدوج كأصل ثمين ومعدن صناعي حيوي. فمع التوسع العالمي في مشاريع الطاقة المتجددة، يزداد الطلب على الفضة بشكل هائل لاستخدامها في الألواح الشمسية، بالإضافة إلى دورها في صناعة الإلكترونيات ومراكز البيانات. هذا الطلب الصناعي المتزايد، إلى جانب انخفاض المخزونات، يخلق ضغطًا إضافيًا على الأسعار يدفعها للارتفاع. كما شهدت معادن أخرى مثل النحاس والبلاتين والبلاديوم ارتفاعات قياسية، مدفوعة بالطلب الصناعي والتوترات التجارية التي تؤثر على سلاسل التوريد العالمية.
التأثير العالمي: إعادة تشكيل خريطة الاستثمار
إن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي. فبالنسبة للمستثمرين الأفراد، أصبح التحوط بالذهب والفضة ضرورة لحماية مدخراتهم من تآكل القوة الشرائية. وقد أضافت صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب في أمريكا الشمالية وحدها 51 مليار دولار في عام 2025، مع إضافة 5 مليارات أخرى في الأسابيع الأولى من 2026، مما يؤكد أن هذا التحول يشمل جميع فئات المستثمرين. على المستوى الدولي، يمثل هذا تحديًا مباشرًا لهيمنة الدولار التي استمرت لعقود، وقد يمهد الطريق لظهور نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب، تكون فيه المعادن الثمينة والعملات الأخرى لاعبًا رئيسيًا.


