مقدمة: نظام صحي يصارع من أجل البقاء
في قلب واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، يقف القطاع الصحي في اليمن كشاهد على حجم المعاناة التي خلفتها سنوات من الصراع. يواجه النظام الصحي تحديات متشابكة تتجاوز نقص التمويل إلى هشاشة المنظومة، انتشار الأوبئة، وهجرة الكوادر الطبية. وفي ظل هذا المشهد القاتم، برز الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية كداعم أكثر ثباتًا وتأثيرًا، مقدمًا شريان حياة لملايين اليمنيين المهددين بفقدان أبسط حقوقهم الصحية.
في حوار خاص، يفتح الدكتور عبدالرقيب الحيدري، الوكيل المساعد لقطاع السكان بوزارة الصحة العامة والسكان اليمنية، ملف الواقع الصحي بكل أبعاده، مقيمًا الأدوار الإقليمية والدولية، وكاشفًا عن رؤية الوزارة لمستقبل القطاع الصحي وإعادة بنائه.
خلفية الأزمة: سنوات من الصراع تستنزف القطاع الصحي
لم تكن الأزمة الصحية في اليمن وليدة اللحظة. فمنذ اندلاع الصراع في عام 2014، تعرضت البنية التحتية الصحية لدمار ممنهج، حيث خرج أكثر من نصف المرافق الصحية عن الخدمة كليًا أو جزئيًا. أدى انهيار الاقتصاد وتوقف صرف رواتب موظفي القطاع العام إلى تفاقم الوضع، مما دفع آلاف الأطباء والممرضين إلى الهجرة بحثًا عن الأمان والاستقرار المادي. هذا النزيف الحاد في الكوادر المؤهلة ترك فراغًا هائلاً، خاصة في المناطق الريفية والنائية، حيث أصبح الحصول على رعاية طبية متخصصة ضربًا من المستحيل.
تحديات مركبة: الأوبئة، نقص الكوادر، والفجوة التمويلية
يصف الدكتور الحيدري المشهد الصحي بأنه “بالغ الحساسية”، حيث تعمل المنظومة في بيئة ضاغطة جعلت من استمرارية الخدمة التحدي الأكبر. وتتمثل أبرز التحديات في:
- الأوبئة المتكررة: لا تزال أمراض مثل الكوليرا، حمى الضنك، والحصبة تشكل تهديدًا قائمًا، وتتفاقم مع تدهور خدمات المياه والإصحاح البيئي. يؤكد الحيدري أن أي تراجع في الدعم أو الجاهزية قد يؤدي إلى انتكاسة سريعة.
- هجرة الكوادر: يعتبر الحيدري هجرة الكفاءات الطبية من “أخطر التحديات الصامتة”، ففقدان طبيب لا يعني خسارة فرد، بل خسارة سنوات من الخبرة التي لا يمكن تعويضها بسهولة.
- تضرر البنية التحتية: أدى تدمير المستشفيات والمراكز الصحية إلى تعطّل أقسام حيوية كخدمات الطوارئ والعناية المركزة وصحة الأم والطفل، مما أثر بشكل مباشر وعميق على جودة الخدمات وسلامة المرضى.
- فجوات التطعيم: يمثل ملف اللقاحات خط الدفاع الأول عن الصحة العامة، وتعمل الوزارة على ضمان استمراريته رغم التحديات اللوجستية والتمويلية، مع وجود مخاوف حقيقية من حدوث فجوات تطعيم قد تؤدي لعودة أمراض منقرضة.
الدور السعودي: شريان حياة للنظام الصحي المنهار
في خضم تراجع التمويل الدولي وانسحاب بعض الجهات من التزاماتها، برز الدعم السعودي كعامل استقرار حاسم. يصف الحيدري الدور السعودي بأنه “الأكثر ثباتًا ووضوحًا وتأثيرًا”، مشيرًا إلى أنه لم يقتصر على الاستجابة الطارئة، بل أسس لمفهوم الاستدامة الصحية.
ويضيف: “أسهم هذا الدعم في الحفاظ على استمرارية خدمات حيوية ومنع انهيار مرافق صحية في لحظات حرجة، وهو ما انعكس مباشرة على إنقاذ الأرواح”. ومن أبرز المشاريع التي نفذتها المملكة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن:
- دعم وتشغيل مستشفيات ومراكز صحية رئيسية في عدة محافظات.
- توفير الأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية وسلاسل الإمداد.
- دعم برامج صحة الأم والطفل ومكافحة سوء التغذية.
- تنفيذ برامج تدريب وتأهيل للكوادر الطبية اليمنية لرفع كفاءتها.
ويؤكد الحيدري أن ما يميز الدعم السعودي هو التنسيق المباشر مع الحكومة اليمنية، مما يضمن أن التدخلات تخدم الأولويات الوطنية وتحترم السيادة المؤسسية، على عكس بعض التدخلات الأخرى التي افتقرت للتنسيق وأدت إلى ازدواجية المشاريع وإضعاف المنظومة الصحية.
التأثير الإقليمي والدولي: أهمية استقرار اليمن الصحي
لا يقتصر تأثير انهيار النظام الصحي اليمني على الداخل فقط، بل يمتد ليشكل تهديدًا للأمن الصحي الإقليمي والدولي. إن انتشار الأوبئة في بلد يعاني من حدود غير منضبطة وصراع مستمر يزيد من خطر انتقالها عبر الحدود، مما يهدد استقرار دول الجوار. من هنا، تنبع أهمية الشراكة الاستراتيجية بين اليمن والمملكة العربية السعودية، والتي يراها الحيدري شراكة متكاملة تتجاوز علاقة المانح بالمستفيد، فاستقرار اليمن الصحي هو جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة.
رؤية للمستقبل: من إدارة الأزمة إلى بناء المنظومة
على الرغم من كل التحديات، تمتلك وزارة الصحة اليمنية رؤية واضحة لإعادة بناء النظام الصحي، تقوم على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة مستدامة. ترتكز هذه الرؤية على تعزيز الحوكمة، ضمان عدالة توزيع الخدمات، الاستثمار في الكوادر والبنية التحتية، وتطوير آليات تمويل مستدامة تقلل من الاعتماد على الدعم الطارئ. ويختتم الحيدري حديثه بمشهد إنساني مؤثر يلخص الأزمة: “أكثر المشاهد تأثيرًا هي تلك التي يكون فيها إنقاذ المريض ممكنًا طبيًا، لكن تعوقه ظروف تشغيلية كغياب دواء أو انقطاع وقود. هذه اللحظات تذكرنا بأن التحدي الحقيقي ليس في المعرفة الطبية، بل في استدامة المنظومة التي تحمي حياة الإنسان”.


