خطوة استراتيجية نحو اقتصاد دائري مستدام
في خطوة تنظيمية حاسمة تهدف إلى تعزيز الاستدامة البيئية وحوكمة القطاع الصناعي، أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية عن إطلاق دليل إجرائي جديد، يربط بشكل إلزامي إصدار أو تجديد التراخيص الصناعية للمنشآت العاملة في القطاع البيئي بالحصول المسبق على موافقة من “المركز الوطني لإدارة النفايات” (موان). وأكدت الوزارة أن هذا الشرط لا يقبل أي استثناءات، مما يرسخ دور “موان” كجهة تنظيمية ورقابية سيادية على كافة أنشطة إدارة النفايات في المملكة.
في سياق رؤية 2030 والمبادرات الخضراء
يأتي هذا التنظيم الجديد كجزء لا يتجزأ من التحولات الاستراتيجية التي تشهدها المملكة ضمن إطار “رؤية 2030″، والتي تضع الاستدامة البيئية والتنمية الاقتصادية المتوازنة في صميم أهدافها. فمع تزايد وتيرة النمو الصناعي والسكاني، برزت الحاجة إلى نظام متكامل وفعال لإدارة النفايات يقلل من الأثر البيئي ويعزز من كفاءة استخدام الموارد. ويتماشى هذا القرار مع أهداف “مبادرة السعودية الخضراء” التي تسعى إلى تحقيق الحياد الكربوني وتحويل النفايات عن المرادم بنسبة تتجاوز 90%. إن تأسيس “موان” في عام 2019 كان خطوة محورية نحو تنظيم هذا القطاع، واليوم يأتي هذا الربط مع التراخيص الصناعية ليكمل هذه المنظومة التشريعية.
معايير صارمة لضمان الجودة والفعالية
حدد الدليل الإجرائي الجديد معايير دقيقة لتصنيف الأنشطة الصناعية البيئية، مشدداً على ضرورة أن تتضمن العمليات تحويلاً فيزيائياً أو كيميائياً للنفايات لإنتاج مواد جديدة، سواء كانت منتجات نهائية أو وسيطة. وبموجب ذلك، فإن أنشطة الجمع والنقل التقليدية لا تندرج ضمن التصنيف الصناعي. كما وضع التنظيم شرطاً صارماً لمنشآت الفرز، حيث يجب أن تكون العملية آلية بالكامل وتعتمد على تقنيات فصل متطورة، مستبعداً بذلك عمليات الفرز اليدوي من نطاق الترخيص الصناعي. ويشمل هذا الربط الإلزامي كافة الأنشطة الفرعية مثل منشآت إعادة التدوير، ومحطات المعالجة، ومرافق الفرز الآلي، لضمان تكامل الأدوار ومنع أي ممارسات عشوائية.
التأثير المتوقع على المستويين المحلي والدولي
محلياً، من المتوقع أن يؤدي هذا القرار إلى رفع مستوى الاحترافية في قطاع إدارة النفايات، وتشجيع الاستثمارات النوعية في التقنيات المتقدمة والمعالجة النظيفة. كما سيسهم في خلق فرص عمل جديدة في مجال الاقتصاد الأخضر، وتقليل الاعتماد على المرادم، وتحويل النفايات إلى مورد اقتصادي ذي قيمة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذا التنظيم يعزز مكانة المملكة كدولة رائدة في تبني أفضل الممارسات البيئية، ويتوافق مع نظام التنظيم الصناعي الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي، مما يسهل التكامل الاقتصادي الإقليمي. كما أنه يرسل رسالة إيجابية للمستثمرين الدوليين بأن المملكة توفر بيئة استثمارية واضحة ومنظمة في قطاع الصناعات البيئية، بما يتماشى مع المعايير العالمية للاستدامة.
متطلبات واضحة للمستثمرين
لضمان الامتثال الكامل، ألزم الدليل المستثمرين بتصنيف منتجاتهم بدقة وفق الرموز الوطنية للأنشطة الاقتصادية (ISIC) وربطها بنظام تصنيف السلع المنسق (HS). كما يتوجب على المستثمر الأجنبي تقديم رخصة استثمار سارية المفعول. ولن يتم منح الترخيص النهائي إلا بعد استيفاء كافة المتطلبات، بما في ذلك التصاريح البيئية للإنشاء والتشغيل، ورخص السلامة من الدفاع المدني، وعقود تخصيص الأراضي، مما يضمن قيام منشآت قادرة على تحقيق التنمية الصناعية والبيئية المتوازنة.


