في قلب محافظة الأحساء، الواحة الغنية بتراثها الثقافي، تبرز الفنانة التشكيلية فاطمة الفوز كصوت فني فريد، تخوض تجربة متفردة تعيد من خلالها تعريف المدرسة السريالية بلمسة محلية أصيلة. عبر لوحاتها، تدمج الفوز بين رموز “الطيور” الحالمة وذاكرة النخيل المتجذرة في هوية المكان، معلنةً عن رؤيتها الطموحة التي تتجاوز القماش لتصل إلى تأسيس أكاديمية فنية متخصصة تهدف إلى حماية أحلام الأطفال الإبداعية.
السريالية في سياقها العالمي والمحلي
تستلهم فاطمة الفوز رؤيتها من المدرسة السريالية، وهي حركة فنية وثقافية ظهرت في أوروبا في عشرينيات القرن الماضي على يد الشاعر أندريه بريتون. هدفت السريالية إلى إطلاق العنان للعقل الباطن والأحلام، متجاوزة حدود المنطق والواقع المادي. وفي حين أن السريالية العالمية استكشفت النفس البشرية بشكل مجرد، تقوم الفوز بتكييف هذا المنهج ليعكس بيئتها، حيث تصبح الأحلام واللاوعي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الأحساء وطبيعتها، مما يمنح أعمالها عمقاً ثقافياً خاصاً.
يأتي هذا التجديد الفني في وقت يشهد فيه المشهد الثقافي السعودي ازدهاراً غير مسبوق، مدعوماً بـرؤية 2030 التي تضع الثقافة والفنون في صميم أهدافها التنموية. إن تجربة الفوز لا تمثل فقط تطوراً في مسيرتها الشخصية، بل تساهم أيضاً في إثراء الحركة الفنية السعودية المعاصرة، وتقديم نماذج فنية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
لغة بصرية خاصة: الطيور والنخيل والمرأة
تعتمد الفوز في هويتها الفنية على مزيج بين السريالية والتعبيرية، مبتعدة عن المحاكاة الفوتوغرافية للواقع. وتكشف عن سر تكرار رمزية “الطائر” في أعمالها، واصفة إياه بالعنصر المركزي الذي يجسد المشاعر الإنسانية المتباينة؛ فقد يكون رسالة سلام أو رمزاً للقلق، تاركةً التفسير لوعي المتلقي. كما يتجاوز حضور المرأة في لوحاتها البعد الجندري ليصبح وعاءً إنسانياً شاملاً يحتضن كافة المشاعر البشرية، مما يجعل أعمالها مساحة مفتوحة للتأويل.
وتوظف الفنانة عناصر البيئة الأحسائية، وتحديداً النخلة، كخلفيات متأصلة تندمج مع الرموز السريالية، لتقدم نافذة بصرية تعبر عن الذاكرة والمكان بأسلوب يدعو للتأمل. وتتجلى هذه الرؤية في لوحتها البارزة “عيون الأحساء”، التي تربط بين امتداد العيون المائية تاريخياً وازدهار النخيل، مستحضرة بوابة القيصرية كشاهد على أصالة المكان.
أكاديمية فنية لرعاية أحلام الأطفال
تؤمن فاطمة الفوز بأن الموهبة تولد مع الإنسان وتتطلب رعاية مبكرة، ومن هذا المنطلق، تخطط لتأسيس أكاديمية فنية خاصة تُعنى بتعليم الأطفال الأسس الفنية الصحيحة. ويهدف هذا المشروع الاستراتيجي إلى احتضان المواهب الصغيرة التي قد تتلاشى مع غياب التوجيه، وتحويلها إلى مسارات احترافية مستدامة. ستعمل الأكاديمية على صقل مهاراتهم بأساليب محفزة تبني ثقتهم بأنفسهم وتساعدهم على التعبير الحر عن ذواتهم، مما يضمن استمرارية الإبداع الفني في المنطقة.
حضور محلي ودولي
لم تقتصر مسيرة الفوز على المشهد المحلي، بل امتدت لتشمل مشاركات دولية بارزة، منها معارض في مملكة البحرين بالتعاون مع الفنان خليفة شويطر، بالإضافة إلى مشاركاتها الفاعلة مع جمعيات الثقافة والفنون في الدمام والأحساء. وقد شكل معرضها الشخصي الأول “على جرح طائر” علامة فارقة في مسيرتها، حيث قدمت تجربة بصرية عميقة تحاكي الفكر وتدعو الجمهور للتفاعل مع العمل الفني. تؤكد الفوز أن الفن في منظورها ليس مجرد نقل للواقع، بل هو عملية بناء قصص بصرية تحترم عقل المتلقي وتستفز خياله.


