في خطوة تاريخية تكلل جهودًا دبلوماسية واقتصادية استمرت لما يقرب من عشرين عامًا، أعلن رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، عن إبرام اتفاقية تجارة حرة شاملة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ووصف مودي الاتفاقية بأنها “أم الصفقات”، مؤكدًا أنها ستفتح آفاقًا اقتصادية هائلة لكلا الطرفين، وتؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية في مواجهة التحديات العالمية.
خلفية تاريخية لمفاوضات طويلة وشاقة
لم تكن الطريق نحو هذه الاتفاقية مفروشة بالورود. بدأت المحادثات الرسمية بين الهند والاتحاد الأوروبي لأول مرة في عام 2007، بهدف إزالة الحواجز التجارية وتعزيز الاستثمار. إلا أن المفاوضات توقفت في عام 2013 بسبب خلافات جوهرية حول قضايا حساسة، شملت الرسوم الجمركية على السيارات والمشروبات الكحولية الأوروبية، وحقوق الملكية الفكرية، ووصول المهنيين الهنود إلى سوق العمل الأوروبية. وظلت المحادثات معلقة لسنوات، قبل أن يتم إحياؤها رسميًا في عام 2021، مدفوعة بتغيرات جيوسياسية عالمية ورغبة مشتركة في تعميق العلاقات الاقتصادية.
الأهمية الاقتصادية والتأثير المتوقع
تكتسب الاتفاقية أهمية بالغة نظرًا لحجم الكيانين الاقتصاديين؛ فالاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، يعد أحد أكبر الشركاء التجاريين للهند، بينما تمثل الهند، بسوقها الذي يضم 1.4 مليار نسمة، فرصة نمو هائلة للشركات الأوروبية. وتهدف الاتفاقية إلى إلغاء أو تخفيض الرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من السلع، وتسهيل تجارة الخدمات، وحماية الاستثمارات، مما قد يساهم في مضاعفة حجم التبادل التجاري بين الجانبين، الذي سجل أرقامًا قوية في السنوات الأخيرة.
على الصعيد المحلي، من المتوقع أن تعزز الاتفاقية برنامج “صنع في الهند” (Make in India) من خلال جذب الاستثمارات الأوروبية والتكنولوجيا المتقدمة، خاصة في قطاعات مثل السيارات والطاقة المتجددة والتصنيع الرقمي. كما ستفتح أسواقًا جديدة أمام الصادرات الهندية، لا سيما في مجالات المنسوجات والأدوية وخدمات تكنولوجيا المعلومات.
أبعاد جيوسياسية في عالم متغير
تتجاوز أهمية الاتفاقية الجوانب الاقتصادية لتمثل تحركًا استراتيجيًا لكلا الطرفين. ففي ظل التوترات التجارية العالمية والسياسات الحمائية التي انتهجتها بعض القوى الكبرى، تسعى كل من الهند والاتحاد الأوروبي إلى تنويع شركائهما التجاريين وتقليل الاعتماد على سلاسل إمداد محددة. وتأتي هذه الصفقة كجزء من استراتيجية الاتحاد الأوروبي لتعزيز علاقاته مع منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وكخطوة هندية لترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية عالمية مؤثرة. ويمثل هذا التقارب بين أكبر ديمقراطية في العالم وأكبر تكتل تجاري ديمقراطي رسالة قوية لدعم النظام التجاري العالمي القائم على القواعد.
وقال مودي في تصريحاته: “تم أمس توقيع اتفاقية هامة بين الاتحاد الأوروبي والهند. سيصفها العالم بأنها أمّ الصفقات على الإطلاق. ستتيح هذه الاتفاقية فرصًا هائلة لـ 1.4 مليار نسمة في الهند وملايين الأشخاص في أوروبا”. ومن المنتظر أن يصدر بيان مشترك من مودي ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، يوضح تفاصيل وبنود هذه الشراكة التاريخية.


