في تصريح حاسم يعكس الواقع الاستراتيجي الحالي، أكد الأمين العام الجديد لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، أن أوروبا لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها بشكل مستقل عن الولايات المتحدة. جاءت تصريحات روته أمام البرلمان الأوروبي في بروكسل، لتضع حداً للنقاشات المتزايدة داخل القارة حول ضرورة تحقيق “الاستقلالية الاستراتيجية”، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والتغيرات المحتملة في السياسة الخارجية الأمريكية.
خلفية تاريخية: حلف الناتو والاعتماد على واشنطن
تأسس حلف الناتو عام 1949 كتحالف دفاعي جماعي في مواجهة التهديد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية. ومنذ نشأته، شكلت الولايات المتحدة حجر الزاوية في بنية الحلف، ليس فقط من خلال قوتها العسكرية التقليدية الهائلة، بل الأهم من ذلك، من خلال توفير “المظلة النووية” التي تضمن حماية الدول الأعضاء من أي هجوم نووي. هذا الاعتماد التاريخي خلق ديناميكية معقدة، حيث طالبت واشنطن مراراً شركاءها الأوروبيين بزيادة إنفاقهم الدفاعي لتحقيق هدف 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يُعرف بـ”تقاسم الأعباء”. وقد اكتسب هذا الجدل زخماً جديداً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي كشف عن ثغرات في القدرات الدفاعية الأوروبية وأعاد تأكيد أهمية الدور الأمريكي في أمن القارة.
تحذير روته: تكلفة الاستقلال باهظة
خاطب روته النواب الأوروبيين بلهجة مباشرة قائلاً: “إن كان أي شخص هنا ما زال يعتقد أن الاتحاد الأوروبي، أو أوروبا ككل، يمكنها الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، فليستمر في الحلم، لا يمكنكم ذلك”.
ولتدعيم وجهة نظره، أوضح روته التكلفة الباهظة لمثل هذا الاستقلال. فإذا قرر الأوروبيون بناء هيكل دفاعي جديد، سيتعين عليهم مضاعفة إنفاقهم الدفاعي الحالي ليصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم فلكي. والأكثر تعقيداً، سيتوجب عليهم إنفاق مليارات إضافية لتطوير قدرة ردع نووي خاصة بهم، وهو أمر محفوف بالتحديات السياسية والتقنية.
خسارة المظلة النووية الأمريكية
شدد روته على أن السيناريو الأخطر في حال استقلال أوروبا دفاعياً هو “خسارة الضمانة القصوى لحريتنا، وهي المظلة النووية الأمريكية”. وأشار إلى أن واشنطن لا تزال ملتزمة تماماً بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف، التي تعتبر الهجوم على أي عضو هجوماً على الجميع، لكنها تتوقع في المقابل التزاماً أوروبياً أكبر بزيادة الإنفاق العسكري.
الأهمية والتأثيرات المحتملة
تأتي تصريحات روته في وقت حرج، حيث تواجه أوروبا تحديات أمنية غير مسبوقة. على الصعيد الإقليمي، تُعد هذه التصريحات رسالة واضحة لصناع القرار في بروكسل وبرلين وباريس بأن طموحات الاستقلال الدفاعي يجب أن تكون واقعية ومبنية على قدرات حقيقية لا مجرد شعارات سياسية. أما دولياً، فهي رسالة موجهة إلى روسيا بأن الحلف الأطلسي، رغم نقاشاته الداخلية، لا يزال متماسكاً تحت القيادة الأمريكية. كما أنها تطمئن واشنطن بأن دورها القيادي لا يزال موضع تقدير، مما قد يخفف من حدة التوترات عبر الأطلسي بشأن الإنفاق الدفاعي، والتي ظهرت بوضوح في السابق خلال نقاشات مثل الخلاف حول جرينلاند الذي أثاره الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
وفي إشارة إلى هذه التوترات السابقة، أوضح روته أنه اتفق مع الإدارة الأمريكية على أن الناتو يجب أن يتحمل “المزيد من المسؤولية في الدفاع عن الدائرة القطبية الشمالية”، لكنه أكد أن أي وجود أمريكي في جرينلاند هو شأن تفاوضي يخص الدنمارك والجزيرة ذات الحكم الذاتي. وبهذا، يضع روته إطاراً واضحاً: التعاون وتقاسم المسؤوليات ضمن هيكل الناتو هو الطريق الأمثل، وليس الانفصال الذي قد يترك أوروبا في مواجهة أخطار لا تقدر على صدها بمفردها.


