نقلة نوعية نحو الاستدامة: رؤية 2030 تعيد تشكيل المشهد البيئي في المملكة
أكد معالي وزير البيئة والمياه والزراعة، المهندس عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، أن رؤية المملكة 2030 الطموحة قد شكلت حجر الزاوية في إعادة بناء وتطوير المنظومة البيئية في السعودية، محولةً مفهوم حماية البيئة من مجرد التزام إلى إطار تنموي متكامل يدعم الصحة العامة ويواكب تطلعات النمو الاقتصادي المستدام. جاءت تصريحاته خلال كلمته الافتتاحية في مؤتمر ومعرض IFAT السعودية 2024، الذي استضافته العاصمة الرياض بحضور قادة الفكر وصناع القرار والمستثمرين في مجال الاقتصاد الدائري من جميع أنحاء العالم.
خلفية تاريخية: من التحديات البيئية إلى الريادة الخضراء
تاريخيًا، واجهت المملكة، كغيرها من الدول المعتمدة على الموارد الطبيعية، تحديات بيئية كبيرة تمثلت في ندرة المياه، والتصحر، وتأثيرات التغير المناخي. إلا أن إطلاق رؤية 2030 في عام 2016 مثّل نقطة تحول استراتيجية، حيث وضعت الاستدامة البيئية في صميم أهدافها التنموية. وانتقلت المملكة من التركيز على المعالجات الجزئية للمشكلات البيئية إلى تبني حلول شاملة وطويلة الأمد، تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي والحفاظ على النظم البيئية للأجيال القادمة.
إنجازات ملموسة على أرض الواقع
أوضح الفضلي أن هذا التحول انعكس في إنجازات ملموسة، حيث شهد قطاع المياه نقلة نوعية ليصبح منظومة متكاملة وفعالة. فقد تجاوزت الطاقة الإنتاجية للمياه 16 مليون متر مكعب يوميًا، معتمدة بشكل أساسي على تحلية مياه البحر التي يساهم فيها القطاع الخاص بنحو 4.4 مليون متر مكعب يوميًا. كما تدير المملكة واحدة من أكبر شبكات نقل المياه عالميًا، مع إعادة استخدام نحو 33% من المياه المعالجة، مما يعزز كفاءة الموارد المائية ويدعم الاستدامة البيئية.
وفي إطار المبادرات الوطنية الكبرى، أشار الوزير إلى الدور المحوري لمبادرة “السعودية الخضراء” والاستراتيجية الوطنية للبيئة، التي أسهمت في إعادة تأهيل أكثر من 500 ألف هكتار من الأراضي المتدهورة وزراعة ما يزيد على 151 مليون شجرة. كما تم تحقيق تقدم كبير في حماية التنوع البيولوجي عبر رفع نسبة المناطق المحمية البرية والبحرية إلى ما يقارب 18% من إجمالي مساحة المملكة، مع خطط طموحة للوصول إلى 30% تحقيقًا لمستهدفات الرؤية.
إدارة النفايات: من تحدٍ إلى فرصة اقتصادية
سلط الوزير الضوء على قطاع إدارة النفايات، الذي يعتبر أحد أهم ركائز الاستدامة البيئية والاقتصادية. فمع تجاوز حجم النفايات في المملكة 130 مليون طن سنويًا، لم يعد التعامل معها مجرد تحدٍ تشغيلي، بل أصبح فرصة استراتيجية لتعزيز الاقتصاد الدائري. وفي هذا السياق، عملت المملكة على تأسيس منظم وطني للقطاع ووضع إطار تشريعي متكامل، بالإضافة إلى إطلاق أكثر من 500 فرصة استثمارية بمليارات الريالات، مدعومة ببنية تحتية قوية تضم أكثر من 900 مرفق، بهدف تحويل النفايات إلى موارد ذات قيمة مضافة.
الأثر المحلي والإقليمي والدولي
إن هذه الجهود لا يقتصر تأثيرها على المستوى المحلي المتمثل في تحسين جودة الحياة وخلق فرص عمل جديدة في الاقتصاد الأخضر، بل تمتد لتشمل المنطقة والعالم. فمن خلال مبادرات مثل “الشرق الأوسط الأخضر”، ترسخ المملكة مكانتها كقائد إقليمي في العمل المناخي. وعلى الصعيد الدولي، تساهم هذه التحولات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والالتزامات الدولية المتعلقة بالمناخ، مما يعزز صورة المملكة كشريك فاعل ومسؤول في مسار الاستدامة العالمي.


