في ضربة موجعة للجريمة المنظمة العابرة للحدود، أعلنت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) عن نتائج عملية “ليبيرتيرا 3″، وهي حملة عالمية منسقة لمكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين. أسفرت العملية، التي نُفذت في أواخر عام 2023، عن توقيف أكثر من 3700 مشتبه به وإنقاذ ما يزيد عن 4400 ضحية محتملة، مما يسلط الضوء على حجم هذه الجريمة البشعة وأهمية التعاون الدولي لمواجهتها.
السياق العالمي لمكافحة العبودية الحديثة
يُعد الاتجار بالبشر شكلاً من أشكال العبودية الحديثة، حيث يتم استغلال الأفراد من خلال القوة أو الخداع أو الإكراه لأغراض مثل العمل القسري، أو الاستغلال الجنسي، أو الاستعباد المنزلي، أو حتى نزع الأعضاء. تمثل هذه الجريمة ثالث أكبر نشاط إجرامي في العالم من حيث الأرباح، بعد تجارة المخدرات والأسلحة، وتستغل الشبكات الإجرامية الظروف الاقتصادية الصعبة والنزاعات وانعدام الاستقرار لدفع ضحاياها إلى الوقوع في شباكها. ويلعب الإنتربول دوراً محورياً في تنسيق الجهود بين أجهزة الشرطة في بلدانه الأعضاء البالغ عددها 196، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتوفير الدعم العملياتي لمواجهة هذه الشبكات التي لا تعترف بالحدود.
تفاصيل ونتائج عملية “ليبيرتيرا 3”
جرت عملية “ليبيرتيرا 3” بمشاركة 119 دولة، وحشدت أكثر من 14 ألف عنصر من قوات إنفاذ القانون في مختلف أنحاء العالم. ووفقاً للبيان الصادر عن مقر المنظمة في ليون بفرنسا، أدت التقارير الأولية إلى توقيف 3744 مشتبهاً به، من بينهم أكثر من 1800 شخص متورطون بشكل مباشر في جرائم الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين. كما أدت العملية إلى فتح أكثر من 720 تحقيقاً جديداً، مما يؤكد أن هذه الجهود تكشف عن طبقات أعمق من النشاط الإجرامي. وفي هذا السياق، صرح ديفيد كونتر، مدير إدارة مكافحة الجريمة المنظمة والناشئة في الإنتربول، بأن “هذه المجموعات الإجرامية مترسخة وقادرة على التكيف بسرعة، لذا يتعين على أجهزة إنفاذ القانون أن تفعل الشيء نفسه”.
تغير أنماط الجريمة وتحديات جديدة
كشفت العملية عن تطورات مقلقة في ديناميكيات الاتجار بالبشر. فبينما كان النمط السائد تاريخياً هو نقل المهاجرين من إفريقيا نحو الخارج، أظهرت الحالات الجديدة وجود ضحايا من أمريكا الجنوبية وآسيا يتم استغلالهم داخل القارة الإفريقية. وإلى جانب الاستغلال الجنسي الذي لا يزال منتشراً، لوحظ ارتفاع ملحوظ في حالات العمل القسري، والاستعباد المنزلي، والتورط في الجريمة، والاتجاه المروع نحو الاتجار بالأعضاء البشرية. ومن بين الحالات المأساوية التي تم الكشف عنها، أطفال يعملون في مصنع للزجاج في بليز، وفتاة بيعت لرجل مسن في السلفادور، واختطاف طفل في الثامنة من عمره في موزمبيق لغرض الاتجار بأعضائه.
أهمية التعاون الدولي وتأثير العملية
تكمن أهمية عملية “ليبيرتيرا 3” في تأكيدها على أن مكافحة الاتجار بالبشر لا يمكن أن تنجح إلا من خلال تعاون دولي وثيق. فالشبكات الإجرامية تستغل الثغرات بين الولايات القضائية المختلفة، ولا يمكن تفكيكها إلا بجهود منسقة. على الصعيد الدولي، تعزز هذه العملية الثقة بين وكالات إنفاذ القانون وتضعف قدرة الشبكات على العمل بحرية. وعلى الصعيد الإقليمي، تساهم في تفكيك طرق التهريب العابرة للقارات، كما حدث في البرازيل حيث تم تفكيك شبكة مرتبطة بباكستان وأفغانستان والمكسيك والولايات المتحدة. أما على الصعيد المحلي، فإن إنقاذ الضحايا ومحاكمة الجناة يبعث برسالة ردع قوية ويساهم في حماية المجتمعات الأكثر ضعفاً.


